في أحيان كثيرة يُشار إلى 2001 باعتبارها سنة مفصلية في العلاقات الدولية، غيرت وجه العالم بسبب هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي تعرضت لها الولايات المتحدة. ومما لا شك فيه أن هذه الهجمات ستظل راسخة في الذاكرة، لكن من غير الأكيد أنها أحدثت تأثيراً مهماً مماثلاً على بنية النظام العالمي وعلى موازين القوة بين القوى العظمى المختلفة. وبالمقابل، شهدت السنة نفسها انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، في ما يبدو رهاناً من جانب بكين على تعزيز وتأكيد انفتاحها على العالم من أجل مواصلة وتسريع انطلاقتها الاقتصادية. لكن صعود الصين هذا لا يمكن اختزاله في انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، لأن الأمر يتعلق بميل وتوجه طويلي المدى. وقد بات لتطور الصين تأثير على العالم يُلمس كل يوم أكثر، حيث تحقق نمواً اقتصادياً يناهز 10 في المئة سنوياً منذ نحو ثلاثين عاماً، ومن المتوقع أن تستمر على هذا المنحى على مدى السنوات العشر المقبلة. والواقع أن نمواً قوياً ومتواصلًا مثل هذا يعد أمراً استثنائيا، إلا أنه عندما يحدث هذا في بلد مهم كالصين، فذلك ينطوي على تأثير مهم يطال بقية العالم. وإذا واصلت الصين نموها على هذا النحو، فمن المنتظر أن يُشكل ناتجها المحلي الإجمالي 80 في المئة من الناتج الداخلي الخام للولايات المتحدة بحلول 2020؛ ونتيجة لذلك، فإن العالم لن يظل كما نعرفه اليوم. ولكن الزعماء الصينيين يشددون على أنهم لا يسعون إلى احتلال أو غزو دول أخرى وأن على العالم بالتالي ألا يشعر بالخوف من الصعود الذي يحققه بلدهم. كما يؤكدون على أن الدرس القديم الذي مفاده أن صعود الأمم إلى القوة يجعلها تجنح إلى الهيمنة على بقية العالم لا ينطبق على الصين. غير أنه يجدر بالزعماء الصينيين أن يدركوا مع ذلك أن تطورهم لا يمكن إلا أن يكون موضوعاً رئيسياً للتفكير بالنسبة لأربعة أخماس سكان كوكب الأرض من غير الصينيين، لأن وزنهم النسبي فريد لا شبيه له. ومن المعلوم أن الولايات المتحدة تطالب الصينيين بشكل دوري برفع قيمة عملتهم، والتي يتسبب انخفاض مستواها حسب الأميركيين في العجز التجاري الأميركي، وهي مطالب يقاومها الصينيون بنجاح حتى الآن؛ غير أنه عندما سيقررون القيام بإعادة تقييم عملتهم، سيكونون قد وفروا ما يسمح لهم بالاستحواذ على عدد من الشركات الغربية. ثم إنه خلافاً لما يرددونه، بات الصينيون مدركين أكثر لأهمية الآراء حول بلدهم ويراقبون في كل مكان ردود الفعل التي يثيرها تطورهم. فقد ولى الزمن الذي كانوا يغضبون فيه ويرفضون أي تعليق خارجي، وباتوا اليوم واثقين من أنفسهم ليأخذوا الآراء الخارجية في عين الاعتبار. لكن ما يمكن أن يؤثر على تطور الصين هو التلوث - والجدير بالذكر هنا أن 8 من المدن العشر الأكثر تلوثا في العالم صينية - ذلك أن عدم احترام البيئة قد يدفع الصين إلى دفع ثمن باهظ على الصعيد البشري مثلما على الصعيد الاقتصادي. غير أنه من هنا فصاعداً، تخطط الصين للقيام بخفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري بنحو 45 في المئة بحلول 2020 مقارنة مع مستوياتها في 2005. وعلاوة على ذلك، فقد بات الصينيون قلقين أيضاً من اتساع مظاهر اللامساواة الاجتماعية نتيجة تطورهم الكبير. إلا أنه يجدر بالصينيين أن يقلقوا أيضاً إزاء ظاهرة شيخوخة المجتمع؛ ذلك أنه قبل نحو عشرين عاماً، كان في الصين 10 أشخاص قادرين على العمل مقابل متقاعد واحد، غير أن شيخوخة المجتمع وانخفاض عدد الأطفال بدآ يغيران هذا الأمر، إذ من المتوقع أن يصبح ثمة 500 مليون شخص تفوق أعمارهم 65 عاماً بحلول 2050. ولهذا السبب، تخطط الصين الآن لوضع حد لسياسة (الطفل الواحد)التي كان يُنظر إليها باعتبارها وسيلة لتحقيق الإقلاع الاقتصادي في سنوات الثمانينيات. أما على المستوى الدبلوماسي، تؤكد الصين مكانتها ومواقفها. فالبلد يعارض بحكم مبادئه فرض العقوبات، خاصة وأنه هو نفسه كان ضحية لها في يوم من الأيام. لكن الزعماء الصينيين أعلنوا خلال الآونة الأخيرة أنه في حال استمرار حالة الجمود التي يعرفها ملف إيران النووي، فإن بكين مستعدة لـ"مناقشات معمقة"، وهو ما يعد تطوراً إيجابياً جديداً على إيران أن تضعه في عين الاعتبار. ذلك أنه مؤشر مشجع يُظهر أن سياسة اليد الممدودة التي ينتهجها أوباما قد تُكلل بالنجاح. صحيح أن الأزمة لم تجد طريقها إلى الحل بعد، ولكن احتمال تجنب تحول إيران إلى قوة نووية أو اندلاع حرب من أجل منع إيران من أن تصبح نووية بدأ يقوى على الأقل. وهذا يفند ما كان يدفع به أشخاص قبل زمن غير بعيد من أن الحرب، على مساوئها، تظل أخف الضررين.