فجر الحوار الذي أجرته مؤخراً قناة "العربية" مع شيخ الأزهر الجديد الدكتور أحمد الطيب جدلًا واسعاً، بخصوص الرأي الذي تقدم به بشأن السلفية ومدى انتشارها في المؤسسة السُنية الكبرى "الأزهر الشريف". وقد كنت شاهداً على جدل مشابه خلال مهرجان الجنادرية الأخير الذي تناول في إحدى ندواته الكبرى بالرياض السلفية:مفهوماً وتجربةً ومآلًا. وليس من همنا الخوض في هذا الجدل العقدي الذي يخرج عن دائرة اهتمامنا، وإنما حسبنا الإشارة إلى أن العالم السُني يشهد حالياً حواراً محتدماً حاداً باسم "العقيدة السلفية"، وإنْ كان في الواقع يتعلق بما هو أكثر جوهرية وتعقيداً، أي موضوع الهوية السُنية ذاتها، باعتبار "أهل السنة" هم الفئة الرئيسية الكبرى في المجال الإسلامي. فمن الصحيح أن الفضاء السُني الذي ضم تاريخياً مذاهب وطوائف شتى انتهى منذ القرن الرابع الهجري إجمالاً إلى التوزع إلى تقليد كبير واسع يتشكل من الأشاعرة وأصحاب المذاهب الأربعة وتيار "أقلوي" حمل تسميات عديدة كاهل الحديث في البداية والسلفية في مرحلة متأخرة. ويتشكل هذا الاتجاه أساساً من الحنابلة، على الرغم من انتماء بعض رموز الحنبلية للأشعرية. ولقد شكلت السلفية بمفهومها الواسع (الرجوع إلى نهج الجيل الإسلامي الأول ومحاربة البدع والخرافة والجمود) أفقاً مرجعياً دائماً للدعوات الإصلاحية في الإسلام السُني منذ القرن الثامن الهجري. في هذا الباب، يكتسي مشروع "ابن تيمية" وتلميذه "ابن القيم" أهمية خاصة، باعتباره أصبح نقطة الارتكاز الأساسية للسلفيات الجديدة. والملاحظ أن المشاريع الإصلاحية التي ظهرت متزامنة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، استندت للمرجعية السلفية، بما فيها تلك التي قامت على يد طوائف صوفية، كما هو شأن المهدية في السودان والسنوسية في ليبيا، وإن كانت الدعوة الوهابية، قد احتكرت من بعد التسمية السلفية. ومع أن الإمام محمد عبده ظل أشعري العقيدة (مع انفتاح واسع على المنظومة العقدية والفلسفية الإسلامية)، إلا أن مشروعه استند للمرجعية السلفية بهذا المفهوم الواسع، شأنه في ذلك شأن السلفية المغربية (أبو شعيب الدكالي، محمد بلعربي العلوي، الحجوي...) والسلفية الجزائرية التي تمحورت حول مدرسة "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، التي قادها الشيخان "ابن باديس" والإبراهيمي". يتعلق الأمر هنا بسلفية غير عقدية أو مذهبية، لا تصطدم بالمرتكزات المحورية للخطاب السُني، وإنما تمارس من داخله "انتفاضة" تجديدية إصلاحية. وفي ثلاثينيات القرن الماضي، دخل المجال السُني مكون ثالث هو حركات "الإسلام السياسي،" التي لم تحسم في بداياتها المسألة العقدية المذهبية. وبالرجوع لكتابها الفقهي المرجعي في مراحلها التأسيسية، الذي هو كتاب "فقه السنة" للسيد سابق، يبرز ميل واضح للخروج عن العباءة المذهبية والاستناد لفقه المحدثين (كالصنعاني وابن حجر والسبكي...)، دون اهتمام كبير بالمسائل العقدية. ولقد بدا من الواضح أن حركات الإسلام السياسي اعتنت بالتأسيس الإيديولوجي أكثر من اعتنائها بالجوانب العقدية التي نقلت من المنظور الكلامي إلى سجل التصور والمقاربة الكونية الشاملة، في سياق تصادم الإسلام كرؤية ومنهج اجتماع مع منظومتين متنافستين هما "الرأسمالية الغربية" و"الماركسية". بيد أن فترة الثمانينيات شهدت صدور كتابين شديدي الأهمية لعلمين بارزين من أعلام الخطاب الإسلامي السائد هما :كتاب "السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي" للفقيه السوري الكبير "سعيد رمضان البوطي"، وكتاب "منهج الأشاعرة في العقيدة" للفقيه السعودي "سفر الحوالي"، الذي هو أحد رموز الحركة الصحوية (الإخوان المسلمون). ذهب الكتاب الأول إلى الدفاع عن الموقف السُني التقليدي في مواجهة اختراق "العقيدة السلفية" للنسق الكلامي السُني، على الرغم أن البوطي لا يمكن نعته بالتعصب المذهبي، وإنْ لم يكن منخرطاً في حركات الإسلام السياسي، فهو قريب منها فكرياً. أما الكتاب الثاني، فقد ذهب مذهباً مناقضاً، معتبراً الأشاعرة "طائفة مبتدعة وخارجة عن العقيدة السُنية الصحيحة". ومع أن الكتابين لم يحملا جديداً من حيث المتن والمحتوى، بيد أنهما عكسا بقوة الصراع المتزايد داخل الحقل السُني، في مرحلة بدا من الجلي أن السلفية بدلالتها الضيقة (النصانية في العقائد برفض التأويل ونبذ الكلام والتصوف والفلسفة)، قد غدت مهيمنة على خطاب الحركات الإسلامية، كما تجذر حضورها في أقسام الدراسات الإسلامية بالجامعات الشرعية. غزت السلفية المراكز الأشعرية والصوفية العتيدة في المشرق والمغرب، في مرحلة خف الاهتمام بالعقائد الأشعرية وتقلص الحماس لها، وبرز ميل واسع للاستغناء عن المباحث الكلامية حتى لدى المتعصبين للمذاهب الفقهية السنية ولمدوناتها الأصولية ومناهجها التأويلية. لقد توهم هؤلاء أن الشريعة لا تحتاج لعدة كلامية، معتبرين أن علوم العقائد تؤدي لزعزعة إيمان العوام، وبدلًا منها يجب الاكتفاء بالنصوص الظاهرة قرآناً وسنة، غير مدركين أنهم بهذا الرأي يضعفون التقليد السُني الأكثري، ويفسحون المجال أمام هيمنة النزعات السلفية. فمن الجلي أنه لا سبيل للفصل بين علوم التأويل الإسلامية، إذ العلاقة جلية بديهية بين آليات استثمار النص في الأحكام وآليات استثماره في العقائد وآليات استثماره في السلوك والأخلاق. ولذا كان الأفق الذي تفضي إليه الدعوات السلفية (بالمفهوم الضيق) هو الخروج عن الخريطة المذهبية، ونبذ فكرة الإجماع (خارج إطار الصحابة) وتقييد القياس والتعليل والرأي، فلا تكتفي إذن برفض التأويل الكلامي والصوفي. تغري السلفية الجديدة ببساطة ووضوح نسقها العقدي المقنن بلغة تقريرية غير إشكالية، في مقابل تعقد المنظومة الكلامية وخصوبتها النظرية.كما تغري السلفية بنزوعها الطهوري المتشدد في الشعائر في مقابل مدونة السلوك الصوفي بمعجمها الرمزي الإيحائي الكثيف المعبر عن علاقة العبودية كعلاقة حب ووجد وجمال. بيد أن السلفية الجديدة، وإن كانت أكثر ملاءمة للتحشيد والتعبئة العقدية والإيديولوجية، فإنها غير قادرة على إنتاج خطاب معرفي رصين يرضي العقل والقلب، ويمكن من الحوار مع الآخر واستيعاب الأمة في تنوعها.وذلك هو الدور الذي اضطلع به أهل السُنة والجماعة طيلة تاريخ الإسلام الوسيط.