في مهرجان لقاء الصورة الذي أُفتتح بالقاهرة منذ أيام في المركز الثقافي الفرنسي، وزّع عدد من الفنانين المصريين بياناً يعلنون فيه رفضهم التام لما اعتبروه تدخلاً من وزارة الخارجية الفرنسية، لفرض فيلم "شبه طبيعي" لمخرجة إسرائيلية ضمن الأفلام المعروضة بالمهرجان المخصص أصلاً لعرض الأفلام المصرية فقط. كانت لجنة التحكيم المصرية قد انسحبت من المشاركة في المهرجان، وحجتها أن مخرجة الفيلم الإسرائيلي، قد عملت فترة في الجيش الإسرائيلي الملطخة يديه بدماء الفلسطينيين العزل والضحايا من النساء والأطفال الأبرياء. استياء عدد من الفنانين المصريين يعود إلى دهشتهم من موقف فرنسا التي تتبنّى دوما المواقف التي يتخذها فنانوها تجاه قضية ما، وهو ما يرسم علامة استفهام كُبرى أمام الكثيرين تجاه تصرفات الغرب المزدوجة حين يتعلّق الأمر بقضاياهم، وحين يتعلّق الأمر بالقضايا المتعلقة بعالمنا العربي. هذه المواقف المتناقضة لا تقتصر على فرنسا وحدها، فالدنمارك من قبلها اعترضت على الحملات التي ندد بها المسلمون تجاه رسامي الكاريكاتير الذين أساءوا لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، على اعتبار أن الحكومة لا تتدخل في حرية التعبير التي يكفلها الدستور الدنماركي لكل مواطن، مما أدّى إلى وقوع أزمات سياسيّة بين عدد من الدول الإسلامية والدنمارك. لماذا يُمارس الغرب سياسة التمييز في تعامله مع قضايانا، ويُلغي هذه السياسة حين يرتبط الأمر به؟! هل العيب فينا أم أن الطرف الآخر يُعاني انفصاماً في الشخصية؟! أليس الغرب على حق في تعامله باستخفاف مع مواقفنا، كونه يدرك بأن كل ما يجري على أرضنا العربية مسيّس، وأنه لا اعتبار لحقوق الإنسان في أرضه؟! أتذكُر بأنني كنتُ في واحدة من زياراتي للندن أرغب في مشاهدة مسرحية "ماماميّة" الشهيرة، واعتذرت لي العاملة التي تقف خلف شباك التذاكر بأنه لا تتوفر مقاعد خالية لمدة أسبوعين. قلت لها: أرجوك حاولي! رمقتني بنظرة تعجّب معلّقة: لقد قلتُ لك لا تُوجد مقاعد شاغرة، ليس لديَّ سبب خاص يمنعني من إعطائك مقعدا! خجلتُ من نفسي، واكتشفتُ بأنني سقطتُ دون أن أدري في مطب موروثي الثقافي العربي الذي أتيتُ منه، كوننا في بلداننا تعودنا على استخدام لغة التحايل في كل أمور حياتنا! أتذكّر أن أولادي في صغرهم كانوا يعشقون المسرحيات المصرية، فكنتُ أضع مبلغاً إضافيّاً لعامل الشباك عند حجزي لأي مسرحية، لكي يُعطيني أماكن مميزة في الصف الأول، بعد أن كان يُقسم لي بأغلظ الأيمان أنه لا تُوجد مقاعد شاغرة! هذه الثقافة التي نشأنا جميعا عليها، والتي ساهمنا دون قصد في ترسيخها، ما زالت متوغلة للأسف في عمق حياتنا من سياسيّة إلى اقتصاديّة إلى تعليميّة إلى تربويّة. والغربيون يدركون هذه الثقافة المعيبة، ويعلمون بأننا نمرر كل شيء من تحت الطاولة بخطاب واسطة أو من خلال قريب له مركز مرموق، أو بإحدى الوسائل الملتوية التي تكون بطلتها المرأة بجمالها أو شهرتها! الضغوطات التي تمارسها الحكومات الغربية على شؤون حياتنا الداخلية لا يمكن أن تنجح لو كانت الديمقراطية مغروسة في تربتنا العربية، فالديمقراطية في عالمنا العربي ما زالت تحبو مثلها مثل السلحفاة، التي تجاوز عمرها آلاف السنين. واليوم الذي تترسخ مبادئ الديمقراطية في بنية مجتمعاتنا العربية، وننجح في بناء مؤسسات مجتمع مدني، لحظتها لن تملك أقوى الحكومات الغربية فرض أوامرها علينا، بل ستحترم قراراتنا المنبثقة من احترامنا لحقوق الإنسان داخل وطنه مهما علا أو قلَّ شأنه!