سؤال نطرحه ويبدو من خارجه بسيطاً، لكن الإجابة عليه ليست سهلة، فما ينتظر اليمن على صعد الأمن والاستقرار والتنمية الشاملة، يبدو غامضاً على ضوء ما حدث في "صعدة" وفي عدد من مدن الجنوب. الأمور في "صعدة" هدأت الآن، لكن التساؤل يبقى قائماً: هل ما حدث هو هدنة مؤقتة، قد تطول، لكنها في نهاية المطاف ستعود إلى الانفجار ويعود "الحوثيون" وأنصارهم إلى التمرد مرة أخرى؟ أم أن السلطة المركزية استطاعت فعلاً أن تقضي على التمرد وتجتثه من جذوره؟ فإذا كان التساؤل الأخير إجابته نعم، فأين هي القيادات "الحوثية" في الداخل؟ وإلى أين وصلت علاقاتها بالسلطة؟ وما الذي حققته من تمردها؟ وما الذي قدمته السلطة لهم لكي يوقفوا تمردهم؟ في منطقة مأرب تتمركز عناصر الإرهاب وعناصر مهمة من مقاتلي "القاعدة" وقياداتها وفلولها، التي خرجت من أفغانستان بعدما غزتها قوات التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة عام 2001. هذه العناصر تعيش في حماية قبائل مأرب، وهي في تحالف معها الآن ضد السلطة المركزية رغم وجود اختلاف مذهبي وفكري بين قبائل مأرب وشيوخها وقيادات القاعدة وفكرها، فالطرفان لا يلتقيان في الأيديولوجيا، ولا الأسس المذهبية، لكن جمعت بينهما المصلحة على أساس مقولة: "عدو عدوي هو صديقي"، أكثر من أن تجمع بينهما قضايا أخرى. بالنسبة للقبائل اليمنية التي تعيش في مأرب، العدو محل السؤال هو السلطة المركزية أياً كان الجالس على كرسيها، وذلك منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين، بالإضافة إلى ذلك فإن تواجد عناصر من "القاعدة" في المنطقة ظاهرة جديدة، ويمكن تصنيفهم بأنهم قادمون محدثون في سلسلة الصداقات والتحالفات التي تؤيد قبائل مأرب في عملياتها الحربية ضد السلطة في صنعاء. وفي مأرب يوجد تحالفان قبليان كبيران هما حاشد وبكيل، وكل من هذين التحالفين يتكون من عدة قبائل تحظى باستقلالها الذاتي في علاقتها بالتحالف الذي تنتمي إليه. والصراع القبلي قد يظهر بين التحالفين وبعضهما بعضا فقط، ولكن في داخل كل واحد منهما أيضاً. ويعزز طرحنا هذا أن القبائل كل على حدة قد تقوم بتغيير ارتباطاتها التحالفية متنقلة بين هذا التحالف أو ذاك وفقاً للمصالح التي يراها شيوخ القبائل بالنسبة لهم ولقبيلتهم. وعلى ضوء هدوء الأوضاع في "صعدة"، يبرز سؤال مؤداه: هل تتجه أنظار النظام في المستقبل المنظور إلى مأرب لكي تقمع التمرد فيه وتقضي على فلول الإرهاب المتمركزة في المنطقة؟ ربما يصدق هذا التوقع، لكن المهمة لن تكون سهلة، فقبائل المنطقة لديها من القوة العسكرية الكثير، و تتمركز في مناطقها وتعي تضاريسها جيداً، وقامت لسنوات طويلة بتكديس عناصر القوة العسكرية. لذلك فإن المطلوب من السلطة المركزية أن تكون حذرة في تعاملها مع هذا الملف، لأن حرباً جديدة في مأرب ستدخل اليمن في دوامة جديدة يصعب التكهن بكيفية خروجه منها، لأن كلفتها ستكون مرتفعة جداً على صعد الضحايا البشرية والخسائر العسكرية، وتدهور الاقتصاد اليمني، الذي يعاني مشاكل مزمنة حلها ليس في متناول يد السلطة المركزية على ما يبدو.