كثر الحديث في الفترة الأخيرة حول موضوع العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وانقسمت الآراء الأميركية بين مؤيد لبقاء هذه العلاقة بقوتها، ومعارض لاستمرارها، بين من يرى أن إسرائيل تشكل ورقة استراتيجية مهمة لهذه العلاقة، ومن يرى أن الدولة العبرية أصبحت عبئاً ثقيلاً على الولايات المتحدة ومن ثم فقد حان الوقت لوضع حد لهذه العلاقة وإدخالها في ميزان المراجعة والتشخيص وإعادة النظر في القيمة الاستراتيجية لإسرائيل نفسها، خاصة بعد أن اتضح أن دعمها يمثل مصدراً لتوترات دائمة في المنطقة. والحقيقة أنه بتتبع مسار هذه العلاقة ووضعها تحت مجهر القراءة السياسية، نجد أنها أخذت خيوطاً متشابكة بعد الحرب العالمية الثانية، مع تدفق الهجرة اليهودية وتغلغل نشاط الحركة الصهيونية في المجتمع الأميركي، في مؤسساته السياسية والاقتصادية والأكاديمية والإعلامية والعسكرية... النافذة. ولم تلبث الصهيونية أن تحولت من التأثير على السياسة إلى السيطرة على عملية صنع القرار، خاصة في مرحلة بوش الابن. وثمة الآن مرحلة جديدة ومهمة هي المطالبة بمراجعة هذه العلاقة مراجعة شاملة، خاصة بعد أن تضررت مصالح الولايات المتحدة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث تعالت مؤخراً أصوات، سياسية وعسكرية وأكاديمية، تطالب بهذا التوجه، كان آخرها تصريح بترايوس عندما طالب أمام الكونجرس بإعادة النظر في القيمة الاستراتيجية لإسرائيل وإعادة تقييمها مجدداً، مؤكداً أن السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين وتعثر عملية السلام، عاملان يهددان أرواح الجنود الأميركيين في العراق وأفغانستان. وفي المجال الأكاديمي، أصدر كل من ستيفن والت عميد كلية كيندي في جامعة هارفرد، وجون مير شامير بروفيسور العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، كتاباً بهذا الخصوص عنوانه "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية"، دعيا فيه إلى مراجعة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، والتي جلبت (بشكلها الحالي) ضرراً كبيراً على مصالح الولايات المتحدة. وحسب الرؤية العميقة للكاتبين حول هذه العلاقة، فإنه لا يمكن تفسير الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل، خاصة على المستوى الاستراتيجي، بمعزل عن النفوذ السياسي الواسع للوبي الإسرائيلي، لأنه دعم لا يحقق المصلحة القومية للولايات المتحدة. لذلك يطالب المؤلفان بالكف عن التظاهر بأن مصالح إسرائيل والولايات المتحدة متطابقة، ويؤكدان أنه حان الوقت لمراجعة المصالح الأميركية في هذه العلاقة التي أدخلت واشنطن في منعطفات خطيرة أكثر من مرة، وأنه على أميركا أن "تفطم" إسرائيل تدريجياً عن المساعدة الاقتصادية والعسكرية، وأن تحصل على الدعم فقط عندما تتصرف بطريقة مرغوبة. كما دعيا إلى مقاومة اللوبي الذي يقود السياسة الأميركية لصالح إسرائيل وإنشاء لوبي مضاد له. والسؤال المهم هنا: أين الرؤية العربية حول هذا الخلاف؟ لماذا لا يتحرك العرب سريعاً للاستفادة منه، وبصفة خاصة من أجل تغيير مسار "صراعهم" ضد إسرائيل؟ نعلم أن المشكلة الأساسية في هذا المسار إنما تكمن في النفوذ الصهيوني القوي المتغلغل داخل الولايات المتحدة، والذي يسيطر على صناعة القرار فيها، فهو الذي عمل طويلاً على جعل مصالح أميركا والغرب في الوطن العربي مرهونة بمصلحة المشروع الصهيوني نفسه، أي الأمر الذي يبدو أنه بات موضع مراجعة الآن... فهل يستمر التوجه نحو مراجعة فعلية؟