في مدينة "أغادير" المغربية حيث حضرت الأسبوع المنصرم ندوة مهمة حول "أزمة العلوم الدينية" نظمتها "الرابطة المحمدية للعلماء"، اشتد الجدل حول موقع "علم الكلام" في الحقل المعرفي الإسلامي ومحاولات تجديده الراهنة. ومصدر الجدل المتزايد في أيامنا، هو أن الساحة الإسلامية تشهد تصادم ديناميكيتين بارزتين: الدعوة للاستغناء عن علم الكلام بتعويضه بعلم للعقيدة "السليمة الصافية"، كما لدى الاتجاهات السلفية، والدعوة للاستغناء عنه بتعويضه بنمط جديد من اللاهوت (لاهوت الثورة، أو لاهوت الأرض، أو لاهوت التحرير...). إنما يجمع بين هاتين المقاربتين، وهم اعتبار علم الكلام مبحثاً ميتافيزيقياً في الأمور الإلهية، على غرار اللاهوت المسيحي. والواقع أن علم الكلام لم ينظر إليه مصنفوه ومؤلفوه على أنه علم يضع العقائد ويؤسس المباحث اللاهوتية، بل هو طريقة في الحجاج والجدل والمناظرة للدفاع عن الدين والملة. يتضح هذا التصور بجلاء سواء اعتمدنا التعريف الفلسفي، الذي قدمه "الفارابي" لعلم الكلام بقوله إنه "ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة وتزييف كل ما خالفها من الأقاويل"، أو اعتمدنا التعريف الكلامي الذي يقدمه "ابن خلدون" بقوله إنه علم "يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة والمنحرفين في الاعتقادات عن مذهب أهل السلف وأهل السنة". فالأساس في هذا العلم إذن هو جانبه الجدلي الحجاجي، بالانطلاق من مسلمات العقيدة. بيد أننا إذا وقفنا عند هذا الجانب العقدي، تبين لنا أن الغرض ليس وضع منظومة عقدية نسقية على غرار المذاهب اللاهوتية المسيحية، وإنما الدفاع عن الانتماء الديني ذاته وعن هوية المجموعة المؤمنة، بالوقوف ضد محاولات الأقليات المذهبية والطائفية التي تسعى إلى تقنين العقائد الإسلامية من منظور خلاصي منغلق كما هو شأن الشيعة والخوارج والمشبهة ...في ربطهم الإيمان بمقتضيات عقدية أو عملية محددة. كما أن علم الكلام وقف بشدة ضد المحاولات الفلسفية الساعية لصياغة المسائل الإلهية من منظور الكوسمولوجيا والميتافيزيقا اليونانيتين (كنظريات الفيض الفارابية – السينوية ). فالهدف بوضوح هو تجنيب المسلمين السلطة الكهنوتية المحتكرة للعقيدة السليمة ، وتحويل الإيمان إلى مجرد انخراط قصدي في الدين، أي قبول أركان الإسلام والالتزام بها قولاً، دون الخوض في تشعباتها ومضامينها العقدية . ولذلك كان علم الكلام في المباحث السنية نمطاً من "أصول الدين" على غرار "أصول الفقه"، ولا عبرة بالفصل بينهما، ما دامت مباحث الإيمان والقدر والإمامة والعدل مباحث فقهية ينعقد عليها العمل. وكما لاحظ "جوزف فان. إس"، يولي الإسلام الممارسة العملية "orthopraxie " من الأهمية أكثر مما يعطي لصحة العقيدة "orthodoxie "، مما عكسته المباحث الكلامية، التي تتحدث عن المسلمين بكونهم "أهل القبلة" أو "المصلين".فالبغدادي مثلاً يتحدث عن أهل الفرق بكونهم "يدخلون بالاسم العام في ملة الإسلام"، على اختلافهم الواسع أحياناً في المضامين العقدية (بين حدي التجسيم الحسي والتعطيل ونفي الصفات). فالإسلام عقد انتماء للمجموعة المسلمة، لا يطلب من المؤمن أكثر من النطق بالشهادتين والقيام بالشعائر. وقد لاحظ الراهب الدومنكاني "ريكالدو دا مونتاكروس" في القرن الثالث عشر الميلادي خلال رحلته في الشرق الإسلامي اتساع مفهوم الخلاص عند المسلمين وعدم ارتباطه بأي مدونة عقدية أو سلوك عملي (ما دام حتى صاحب الكبيرة مؤهل للنجاة بالرحمة والشفاعة). ولذا ندرك أن علم الكلام نشأ في بدايته من إشكاليتي منزلة مرتكب الكبيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما إشكاليتان سياسيتان غير عقديتين. ولم ينتصر المذهب السني إلا برفضه للتكفير بالعمل (كما يرى الخوارج مثلًا في تكفيرهم للفاسق) أو بناء مواقف عقدية على مسألة الإمامة (كما يرى الشيعة) أو فرض مذهب عقدي بذاته (كما أراد المعتزلة). ولقد عرف المعتزلة بـ"أهل العدل"، الذي هو الأصل الثاني من أصولهم وبه يرتبط التوحيد إلى حد أن القاضي عبد الجبار تناول موضوع خلق القرآن في باب العدل لا التوحيد مع أنه يتعلق بصفة الكلام، أما باقي الأصول الثلاثة الأخرى، فلا يخفى أنها تتصل بمسائل الأخلاقية والعملية. والواقع أن علم الكلام بمدرستيه الاعتزالية والأشعرية بلور الآليات الكابحة لأي منظور ميتافيزيقي في المستويين الأنطولوجي والمعرفي. ففي المستوى الأول، رفض المتكلمون النظرة الجوهرانية الغائية للطبيعة الموروثة عن الكوسمولوجيا اليونانية (التي اعتمدها اللاهوت المسيحي).فالنزعة الذرية الكلامية لا ترى في الكون إلا أعراضاً مختلفة متباينة لا رابط ضروريا بينها.كما أنها تنظر للموجودات نظرة حسية تجريبية، فتنكر ماهياتها والعلاقة السببية العضوية بينها. أما الإلهيات فهي غيب لا سبيل لإدراك كنهه، وإنما يعرف الله بصفاته وأفعاله لا ذاته. ومن هنا كان علم الكلام أقرب للاهوت السلبي منه من الإيجابي، ما دام مبدؤه هو نفي التشبيه كلياً والفصل الجذري بين دائرتي الإلوهية والعالم. وليس الاختلاف في الصفات بين المعتزلة والأشاعرة في موضوع الصفات بمهم هنا، ما دام الإجماع منعقدا على تأويل كل تشبيه يمس الإطلاق الإلهي. وفي المستوى الثاني، ندرك أن علم الكلام رفض ميتافيزيقا العقل المطلق، وحصر المعرفة بالمعلوم إجرائياً من خلال النظر والسمع. فالإشكالية الكلامية تتعلق بالمعلوم وليس بالموجود، الذي هو أحد أبعاد العوالم الممكنة،كما أن الماهيات لا حقيقة لها، ومن هنا استحالة إعطاء مضامين واقعية للذهنيات والمجردات. فليس علم الكلام إذن ميتافيزيقا أو لاهوتاً، بل هو طريقة في المناظرة والجدل والحوار داخل أبناء الملة الواحدة من فرق وطوائف أهل القبلة الواحدة، وهو قابل أن يطور في اتجاه انفتاحي للتقريب بينها بدل إلغائه، أو تعويضه على طريقة السلفية المتأخرة والأصوليات الحالية بمدونة عقدية تحصر النجاة في آراء عقدية مخصوصة يكفر الخارج عليها، على الرغم أنها خلافية بل كان ينظر إليها أنها شاذة عن النسق العقدي الإسلامي المشترك.