في إحدى حلقات برنامج "أوبرا" الشهير، قامت باستضافة فتاة في بداية عقدها العشرين. وقد كان موضوع الحلقة عن دور الأمل في تحقيق أمنيات الإنسان المستقبلية. تفاصيل حياة هذه الفتاة مؤثرة وفيها عبر كثيرة حيث شبّت هذه الفتاة مع أختها بصحبة والدتهما في ملاجئ الفقراء، وعشن في أزقّة المشردين، وبتن ليالي طويلة في الشوارع المكتظة بالرعاع ومدمني المخدرات، مع هذا نجحت الفتاة، بفضل إصرارها وقوة إرادتها وتشبثها بحلمها الصغير، في الحصول على منحة دراسيّة في "هارفارد" أعرق جامعات أميركا بعد تخرجها من الثانوية بتفوّق مع مرتبة الشرف الأولى. لن أتحدّث عن الأمل والطموحات والأحلام، فكل فرد في جعبته تربض أشياء كثيرة، منها ما رأى النور، ومنها ما يتحيّن صاحبها الفرص لاقتناصها وإرسائها على أرض واقعه. حقيقة ما لفت انتباهي في حديث الفتاة، قولها بأنها كانت تعتبر المكتبة العامة بيتها الثاني، فكانت تجلس فيها ساعات طويلة ملتهمة بعينيها محتوى الكتب التي كانت تستعيرها، وهو ما جعلها تزداد تمسكاً بالمعرفة والعلم والإطلاع، وإيمانها المطلق بأنها الأذرع القوية التي ستنتشلها من براثن الفقر وتأخذها بعيداً عن أزقة المشردين التي ترعرعت فيها منذ نعومة أظافرها. سرحت في عبارتها متسائلة أين المكتبات العامة في بلداننا العربية؟ وأنا هنا لا أتحدّث عن المكتبات التابعة للجامعات، وإنما أقصد المكتبات العامة المشرّعة أبوابها للشعوب، تلك التي يجد فيها الفرد كل ما لذ وطاب من كتب سياسيّة وفكريّة وعقائدية وتاريخيّة، بدون أن تتدخل الحكومات في مصادرة كُتب مُعارضة للنظام، أو تتعمّد طمس تاريخ معيّن بانتزاع مخطوطاته من فوق الأرفف، أو تسعى لإخفاء إصدارات فكرية أو دينيّة مخالفة لعقيدتها! هذا للأسف ما يجري في أغلبية بلداننا العربية، وكلما كانت الأنظمة قمعيّة تلاشت كُتب المعرفة! مما يؤكد على أن العلم والمعرفة يعكسان عمق ديمقراطية الأنظمة واحترامها للحريات العامة. ماذا تعني الحرية؟! هي مطلب يحلم به كل كائن على وجه الأرض. فعندما تُغرّد الطيور على الأغصان، فهذا يعني أنها فرحة لقدرتها على التحليق في الفضاء الواسع. وحين يكون في مقدور شعب الوقوف وقول رأيه بكل وضوح وصراحة دون أن يتوقع زائر فجر يأتيه سرّا ليكتم أنفاسه فهذا يعني أن الحرية بخير. لذا لا يمكن للأحلام أن تتحقق طالما هناك محاذير على حرية الكلمة! ولن تتحقق الأمنيات طالما هناك عقبات على فكر العقول. ولن تعيش بعض الشعوب العربية في استقرار طالما أن مقدرات بلدانها يُسيطر عليها مجموعة من السياسيين الذين ينشرون عملاءهم في كل مكان لخرس الأصوات المطالبة بالعدالة الاجتماعية. هذه الفتاة لو كانت تعيش في زقاق عربي فقير لما وصلت إلى ما وصلت إليه! فلن تجد مكتبة عامة تفتح لها ذراعيها وتجعلها تنهل من دروب المعرفة، بل ستجد قنوات فضائية ترفيهيّة تُخرّج كل يوم جيوشا من المغنيين والراقصين حتّى غدت لغة الترفيه السمة البارزة في مجتمعاتنا! ولرأت بأم عينيها أن المجتمعات العربية مغيّبة تتلهّى عن خيباتها اليوميّة بالانغماس أكثر وأكثر في هذا العالم الهش! تحقيق الحلم هو مشروع مجتمع بأسره، ولكن هذا المشروع لن يتحقق في مجتمعاتنا إلا إذا أنشأنا مكتبات عامة ينبعث منها عبق الحرية، كونها السبيل لبناء مجتمعات سويّة قادرة على هدهدة حلمها والأخذ بيده نحو شواطئ النجاح.