يُقال إنه في أدراج مجلس الأمن الدولي تنام الآن مسودة جاهزة لفرض عقوبات دولية مشددة على طهران لثنيها عن المضي في برامجها النووية، ويُقال إن هذه العقوبات تشمل عدداً كبيراً من المصارف الإيرانية والمؤسسات والشخصيات البارزة، لكنها تستثني قطاعي النفط والغاز الإيرانيين. أما لماذا لم تُفعّل أو تمرر تلك العقوبات حتى الآن، فسببه الخشية من عدم حصولها على موافقة كافة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، أو بعبارة أوضح الخشية من استعمال بكين لحق النقض لإحباط المشروع. وهكذا لا يحتاج المرء إلى كبير عناء لتفسير استثناء قطاعي النفط والغاز الإيرانيين من العقوبات، فهذا الاستثناء كان متعمداً من أجل تسهيل موافقة الصينيين على مشروع العقوبات، وذلك من منطلق أن أكثر ما يشغل قادة بكين هو مصالح بلادهم التي ستضرر كثيرا إذا فرض حظر على التعامل النفطي مع طهران، خصوصاً وأن الأخيرة هي ثالث أكبر مورد للنفط والغاز للصينيين من بعد السعودية وأنجولا. وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن موقف الصين منذ أن طفا ملف إيران النووي على السطح اتسم بالضبابية، بمعنى اللعب على العبارات دون إبداء رأي صريح وواضح حول الموضوع، وذلك على الرغم من مطالبات الدول الغربية المتكررة لها بتبني موقف حاسم يتجاوز عبارات مثل "ضرورة استنفاذ كافة الحلول الدبلوماسية أولاً"، و أن "العقوبات الاقتصادية لا يمكن أن تحل أية قضية شائكة حلًا جذرياً" و"الوقت لا يزال مبكراً لفرض عقوبات جديدة". على أنه لوحظ مؤخراً تغير الخطاب الصيني نسبياً، الأمر الذي عزاه بعض المراقبين إلى ضغوط تعرضت لها بكين في الأسابيع الأخيرة من دول إقليمية مهمة صديقة للصين وتربطها بها مصالح متشعبة، وفي الوقت نفسه معنية كثيراً بما يحدث من تطورات متسارعة على صعيد تطور قوة إيران النووية، فيما عزاه مراقبون آخرون إلى احتمال وجود مقايضات ما بين الإدارة الأميركية وقادة الصين الشيوعيين البراجماتيين، بمعنى أن تدعم الصين أي مشروع أميركي- غربي ضد إيران في مجلس الأمن، مقابل أن تتساهل أو تتنازل واشنطن لها في ملفات مثل "حقوق الإنسان" و"التبت" و"تايوان" و"المعارضة الإيجورية العاملة من الأراضي الأميركية". أما التغيير الذي طرأ على خطاب الصين، التي سبق لها أن وافقت من قبل على ثلاثة قرارات أممية بفرض عقوبات من مجلس الأمن، فقد تمثل في تصريح غير مسبوق أدلى به وزير الخارجية الصيني "يانج جيشي" في جنيف في الوقت ذاته الذي كان فيه "نتنياهو" و"بلير" يشددان في خطابين منفصلين لهما أمام لجنة الشؤون العامة الأميركية- الإسرائيلية (آيباك) في الثالث والعشرين من مارس المنصرم على ضرورة منع النظام الإيراني من امتلاك أسلحة نووية بكافة الوسائل، مضيفين أن الأمر لا يتعلق بأمن إسرائيل فقط وإنما بالأمن والسلام العالميين. إن كشف رئيس الدبلوماسية الصينية لأول مرة أن بلاده تضغط على إيران من أجل أن تقبل الأخيرة بفكرة إرسال مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى الخارج مقابل حصولها على وقود نووي جاهز للاستخدام في مفاعلاتها البحثية، وأن الصينيين قد حذروا نظراءهم الإيرانيين في لقاءاتهم الثنائية من أن التأخير وعمليات التملص والمراوغة، قد لا يؤدي إلى فرض عقوبات اقتصادية على بلادهم فقط، وإنما قد يسبقها أو يتبعها عمل عسكري، هو بالفعل تطور في الموقف الصيني. على أن محللين كثيرين راحوا يثيرون قضية أخرى هي أن الصين لئن كانت مهتمة فعلاً بدوام علاقتها وتعاونها الوثيق مع إيران، فإنها في الوقت نفسه لا تستطيع المجازفة، لا بعلاقاتها الثنائية مع دول الخليج العربية المتوجسة من اختلال ميزان القوة العسكرية في المنطقة لصالح طهران، ولا بعلاقاتها الثنائية مع القطب الأميركي، رغم كل ما قيل ويقال عن وجود توترات وخلافات في العلاقات الصينية – الأميركية. صحيح أن هذه العلاقات، منذ تدشينها في أوائل سبعينيات القرن الماضي من بعد عداء أيديولوجي مرير، قد شهدت بعض التوترات من حين إلى آخر، إلا أن الصحيح أيضاً أنها بصفة عامة كانت مستقرة وطبيعية ومهمة للغاية لحفظ الأمن والسلام في العالم (بدليل ما قالته وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في مقال صحفي لها في العام الماضي حينما ذكرت بأن القليل من المشاكل العالمية يمكن حله بواسطة واشنطن أو بكين بمفردهما، لكن الكثير منها يمكن حله إذا ما تعاونتا معا. أما الذين وصفوا العلاقات الصينية - الأميركية بالعلاقات المعقدة التي لا يمكن وضعها في خانة "التحالف" أو "العداء"، فإنهم سرعان ما اكتشفوا أن الصين والولايات المتحدة دولتان متنافستان في مجالات، وشريكتان في مجالات أخرى. وبعبارة أخرى فإن علاقات الطرفين بها عوامل توتر مثل قضايا حقوق الإنسان وملفي التبت وتايوان والموقف من النظامين القمعيين في بورما وكوريا الشمالية، وبها أيضاً عوامل دافعة نحو التعاون مثل المصلحة المشتركة في القضاء على الإرهاب، ومنع الانتشار النووي، والتبادل التجاري، والاحتباس الحراري، وضمان الأمن والسلام في المحيط الباسيفيكي. فإذا أخذنا في الاعتبار أولًا ضخامة رؤوس الأموال الأميركية المستثمرة في الصين في العديد من القطاعات الحيوية مثل التصنيع والبتروكيماويات والسياحة والترفيه (بلغ حجمها الإجمالي في عام 2006 48 بليون دولار)، وثانياً العدد الكبير من المشروعات المشتركة ما بين الشركات الصينية والأميركية (نحو 20 ألف مشروع مشترك في عام 2006)، وثالثاً حقيقة أن الولايات المتحدة تعتبر بالنسبة للصين الشريك التجاري الأهم والسوق الأكبر لمنتوجاتها (بدليل وجود عجز يقدر بنحو 350 بليون دولار في ميزان التجارة الصيني – الأميركي لصالح الصين)، فإن قادة الصين المعروفين بالدهاء والبراجماتية قد لا يتعجلون باتخاذ موقف مؤيد لإيران في مجلس الأمن يخالف إجماع الكبار. لكن مهما كان الوضع، فإن استمرار الضغط على بكين لاتخاذ موقف حاسم ضد مناورات طهران لا بد أن يتواصل من كل صوب.