كيف لنا أن نتخيل مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي في ظل خلط الأوراق واختلال ميزان القوة العالمي؟ إن تنامي الراديكالية هو نوع من الشعور بالغضب على الذات والآخر، والغضب يغيب العقل ويدفع صاحبه نحو اللجوء إلى العنف عندما يشعر بغياب السيطرة على غضبه، فتلتقطه مدارس العنف المنتشرة في العالم. العنف أصبح سمة في كثير من أنحاء العالم الإسلامي، ويتحول الصراع العالمي نحو الثقافات لتزداد تداعياته خطورة، خاصة إذا ما أدركنا أن العنف قضية معقدة مبعثها خلل في فهم الإنسان لدوره في حل قضاياه وهمومه. ولعل استمرار الصراع العربي الإسرائيلي هو المدخل لفهم طبيعة الغضب العام الذي رسم الشخصية العربية. وفيما انتهت قمة سرت العربية لمناقشة الوضع الفلسطيني وخصوصا القدس والسلام العربي الإسرائيلي، فلا شيء يبدو مفاجئاً لنا في الخطاب العربي الرسمي، فهو خطاب ينحو نحو الإنشاء والعمومية في التعبير ولا يعالج القضايا المصيرية ولا يضع الآلية لعمل مشترك. واليوم ليس لدينا رسمياً من يعارض صنع السلام مع إسرائيل، فقد تقدم العرب بمبادرة للسلام في قمة بيروت، ورغم تعثر المبادرة، فإن العرب قرروا أن يمنحوا أميركا فرصة لممارسة الضغط على إسرائيل دفعاً للسلام المتعطل، إلا أن الخلل في ميزان القوة العالمي لا يعمل لصالح العرب، وبالتالي فإن إسرائيل لن تحقق مطالب العرب وهي ترى أن ميزان القوة يميل لصالحها، بينما لا يخرج العرب عن دائرتهم الصوتية! ومعظم الدول العربية يمكن اعتبارها شريكة للولايات المتحدة، لكنها شريكة غير مؤهلة للتأثير ولا تمثل قوة قادرة على فرض قرار أو تغييره، ومن ثم نجد أميركا تعمل لصالح اللاعب القوي في حلبة الصراع، باعتبار أن إسرائيل هي من يملك القوة في وجه الراديكالية الدينية التي فرضت وجودها علينا وغيرت من مسارات الحياة في العالم، ودفعت بصف الاعتدال العربي إلى أن يجد نفسه في ورطة كبيرة، لاسيما وأن من يستمعون إلى صوت الراديكالية المدوي في الشارع تزداد مساحتهم بشكل ملحوظ. دعونا نقترب من الحقيقة، فاليوم هناك صراع ينخر العالم الإسلامي حيث الموضوع المذهبي يتصاعد، والعيش في تلاؤم مع التعددية المذهبية أصبح يتعرض للخطر، لذلك نجد أنفسنا مجبرين على الاستجابة للنفور المذهبي وهو نفور يظهر في المشهد السياسي العربي، وخصوصا أننا أمام نموذجين؛ سني تقوده السعودية، وشيعي تمثله إيران. والناس في العالم الإسلامي يقعون ضحايا للسياسة؛ لأن التنافر لا وجود له في الدين والمذاهب بقدر ما يتعلق الأمر بالسياسة كلاعب ومحرك للنفور المذهبي، ومن ثم نجد أنفسنا أمام وضع شائك غير قادرين على استيعاب تداعياته الاجتماعية. الخلل كبير في فهم طبيعة الصراع باعتباره بؤرة عنف ومشرب للمشردين فكريا والضائعين نفسيا، فهؤلاء فقدوا الدافعية للحياة واللذة لديهم تحولت نحو الموت، باعتباره مخلصهم من العذاب الذي تسببه السياسات العربية والعالمية! والمعضلة تتعقد، ليس فقط عربيا وإنما عالميا كذلك، والعنف لن ينتهي بل هو مشاعر تأخذ في التصاعد، خصوصا مع تردي الاقتصاد العربي وزيادة الفقر والبطالة والمشاكل الاجتماعية وغياب الهوية في ظل موجات كاسحة من الثقافة الأجنبية التي تهز الكيان النفسي وتدفع العامة، وربما حتى المثقفين، إلى خيار العنف كسبيل للمواجهة؛ محلياً أو عالمياً. ولا يخفى علينا تواجد القطب المتشدد، ليس في الداخل فقط، وإنما في الخارج المتعطش للثأر والانتقام، وهذا ما يغضب المعتدلين حيث يجدون أنفسهم بموقع لا يسر بل هم في حيرة من كيفية تغيير موقع الشراكة الأميركية العربية.