كان الأطفال الفلسطينيون يرسمون "أطول خريطةٍ في العالم" بمناسبة يوم الأرض، عندما كانت الصحف الإسرائيلية الرئيسية تُعظِّمُ من شأن الخلاف بين رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وإدارة الرئيس أوباما. الأطفال الفلسطينيون أرادوا التعبير عن التمسُّك بالأرض، واستعصاء الفلسطينيين على الاستعمار والاستيطان والاقتلاع. أمّا إسرائيل فأرادت عَلَناً تثبيت ثلاثة أمور: أنّ القدس هي عاصمتُها الأبدية، وهي مُصِرَّةٌ على تهويدها بالكامل شرقاً بعد الغرب، وأنّ المفاوضات إنْ جرت فينبغي أن تكونَ بدون شروطٍ فلسطينية من أيّ نوع. وأنّ الأَولوية الأمنية والاستراتيجية لديها هي "الخَطَرُ الإيراني"، ولا شيء غيره. وقد كرَّر الإسرائيليون ذلك على مسامع المبعوث الأميركي ميتشل، ووزيرة الخارجية هيلاري، ونائب الرئيس الأميركي بايدن، طوال عام 2009. ثم أكَّد ذلك نتنياهو خلال لقائه الأخير بالرئيس الأميركي. وأضاف عدة أُمورٍ أُخرى: ضرورة إسقاط حق العودة من مسائل الحلّ النهائي، وضرورة القول من جانب الفلسطينيين بيهودية الدولة العبرية القائمة، وضرورة ضمان العرب والأميركيين لما يجري التوصُّلُ إليه من حلول لأنهم لا يثقون بقدرة الرئيس الفلسطيني عبّاس على تنفيذ تعهداته بسبب الانقسام الفلسطيني، وأخيراً ضرورة الضمان الأميركي لإزالة الخطر النووي والصاروخي الإيراني خلال الأشْهُر القليلة القادمة وقبل التوصُّل إلى أي نتائج في المفاوضات مع الفلسطينيين. لكنْ هذه المرة، وبخلاف المرّات الماضية، ما كانت إدارةُ أوباما مستعدَّةً إلاّ لأمرين: ضمان أمن إسرائيل في كلّ الأحوال، والسعْي العاجل لفرض عقوبات على إيران. أمّا المسائلُ الأُخرى كلُّها فمتروكةٌ للتفاوُض، وسوف تنسِّق الولاياتُ المتحدةُ مع إسرائيل في كلِّ خطوةٍ بشأْنِها؛ وعلى إسرائيل الآن تسهيل بدء التفاوُض غير المباشر بإيقاف الاستيطان بالقدس والضفة فوراً. هل هذا الخلاف بين حكومة نتنياهو وإدارة أوباما حقيقي؟ وهل تصمدُ الولاياتُ المتحدةُ على موقفها؟ وتصمد حكومة أوباما في المقابل على موقفها؟ شيمون بيريز رئيس الدولة الإسرائيلية، والصحف الإسرائيلية الكبرى وشبه المستقلّة، يرون أنّ الخلاف حقيقي، وأنه إن صمد أوباما ولم يتنازلْ لنتنياهو كما في السابق؛ فقد تكون هناك أزمة حقيقية بين الجانبين. أمّا إن تنازل نتنياهو فأَوقف الاستيطان؛ فذلك قد يؤدي إلى انهيار حكومته بسبب خروج المتطرفين منها. وعندها إمّا أن يمضي الإسرائيليون إلى انتخاباتٍ جديدة، أو يقبل نتنياهو مشاركة ليفني وحزبها، "كاديما"، في ائتلافٍ جديدٍ يضمُّهُما إلى حزب "العمل" برئاسة باراك وزير الحرب الحالي. كنتُ في الأسبوع الماضي بالولايات المتحدة لحضور مؤتمرٍ بمركز كارتر بأطلانطا عن العلاقات العربية الأميركية. وخارج أعمال المؤتمر، حضرتُ على غداءٍ نقاشاً بين الرئيس كارتر وعددٍ من أساتذة الدين والعلوم السياسية بالولايات المتحدة. وكانوا جميعاً يعلمون ببدء الخلاف، وقُرب قدوم نتنياهو للولايات المتحدة. واتخذ الحديث وجهةً غير متوقَّعة إذ ركز الجميع تقريباً على أنّ الأمر يقعُ في الولايات المتحدة ذاتها، ورؤيتها لمصالحها، ولإسرائيل ودورها في تحقيق تلك المصالح. وقد قسّم كارتر المسألة بطريقةٍ وظيفيةٍ؛ فقال إنّ الدولة الأميركية وفي كلّ عهودِها إنما أرادت الوصولَ إلى حلٍ يحفظ وجود إسرائيل وأَمْنَها داخل حدودٍ معترفٍ بها، ويحفظُ في الوقتِ نفسِه المصالح الأميركية الاستراتيجية بمنطقة الشرق الأوسط. وقد نجحت لعواملَ مختلفة في حفظ هذا التوازُن بين أمن إسرائيل والمصالح الأميركية، ليس من خلال الوقوف إلى جانب العرب تارةًً وإلى جانب إسرائيل تارةً أُخرى؛ بل بالشدّ والجذْب بين الإدارة المعنية بالسياسات التنفيذية، والكونغرس بمجلسَيه والمَعْني في الأغلب الأعمّ بأمن إسرائيل لمصالح انتخابية عاجلة تتمثل في الصوت اليهودي، والمؤسسات اليهودية الكبرى بالولايات المتحدة. بيد أنّ الواقعَ الآن أنه ما عاد يمكنُ التوفيقُ بين صون الأمن الإسرائيلي الاستراتيجي، والمصالح الأميركية الاستراتيجية، إذا أصرَّتْ الحكومةُ الإسرائيليةُ على موقفها. وتدخَّل في الحديث أُستاذان من الحاضرين، فاستغرب أحدُهُما بقاءَ أو ثَباتَ هذا الدعم لإسرائيل بدون مُساءلةٍ حقيقيةٍ بعد انتهاء الحرب الباردة. إذ إنّ إسرائيل تحولت إلى عامل عدم استقرار، بسبب الإصرار على احتلال الأرض، والإصرار على عدم تمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم في حدود عام 1967. ورأى صحفيٌّ كان حاضراً أنّ ذلك يعود إلى ظهور تحديات بمنطقة الشرق الأَوسط، أَظهرت فائدةَ الحفاظ على التفوق الإسرائيلي؛ وأهمُّ تلك التحديات إيران منذ مطلع الثمانينيات، ثم العراق، والمتطرفون الإسلاميون. وهكذا فوَّتت الولاياتُ المتحدةُ فُرَصاً كان بوُسْعِها استغلالَها لفرض "السلام العادل" كما يقول العرب. وكانت النتيجةُ أنّ عليها الآن أن تفرض حلَّ الدولتين، والجلاءَ عن الجولان، مع بقاء الأخطار الأُخرى على مصالحها وعلى إسرائيل من قِبَل إيران والتطرف الإسلامي الذي صار قوياً جداً على الساحة الفلسطينية أيضاً. ومع أنّ آخَرين احتجُّوا على هذا الاستنتاج، ورأَوا أنّ كامب ديفيد ومدريد وأوسلو كانت جميعها دليلاً على جدية الإدارات الأميركية؛ فإنهم وافقوا على الاستنتاج الأخير مُضيفين أنّ الوقوف إلى جانب السياسات الإسرائيلية الآن بدلاً من كبحها لن يقلّل لا من أخطار إيران ولا من أخطار التطرف الإسلامي. وقد حاول أحد الحاضرين إيراد مزيد من الأسباب لضرورة الإصرار الأميركي على الحلّ العاجل؛ فقال إنّ المعتدلين العرب لن يستطيعوا تحمُّل استمرار التصعيد الإسرائيلي. لكنّ كارتر تدخَّل وقال: إنّ "عدم الاستقرار" الناجم عن استمرار الوضع الاستثنائي لإسرائيل هو الذي يُهدِّدُ في المدى القريب المصالح الوطنية الأميركية بالذات. وتابع: الغريب أنّ الإسرائيليين لا يدركون أنّ استمرار الاحتلال والقمع هو أكبر تهديدٍ لأمْنهم؛ إذ إنه سيجلبُ عليهم المزيدَ من الأعداء و"الاعتداءات". هل يعني ذلك أنّ النظرة الأميركية (والأوروبية) لإسرائيل تغيرت أو هي في طريقها للتغيير؟ هنا يُفرِّقُ أساتذةُ العلوم السياسية الحاضرون بين أمرين؛ الأول المتصل بأنّ إسرائيل هي الحلُّ الذي لا بديلَ له للمشكلة اليهودية العالمية. وبما هي كذلك فإنّ النظرة إلى وجودها وأمْنِها لم تتغير. والثاني المتّصل بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وأوروبا. وفي هذا الصدد فإنّ إسرائيل ما عادت عاملاً مُساعداً ولا مفيداً في أكثر الأحيان. وذلك لجهة الأعباء الكبيرة التي ما تزالُ تفرضُها، ولما تثيره من عداءٍ في العالمين العربي والإسلامي، ولاستعصائها على القرارات الدولية. ما هي احتمالاتُ تطور الموقف في الأسابيع والشهور القادمة؟ كان هناك بين الحاضرين من لا يزال يرى أنّ إدارة أوباما قد تتراجع تحت وطأة المشكلات الانتخابية في نوفمبر القادم؛ وسيؤجّل ذلك حَلَّ الدولتين، لكنه لن يُلْغِيَهُ، وسيزيد الموقفَ سوءاً بالنسبة للإسرائيليين وبالنسبة للأميركيين والغربيين. وكان هناك من استبعد التراجع الأميركي، ورأى أنَّ نتنياهو قد يوقف الاستيطان، ويسهّل بدء التفاوُض، ثم تتعثر المفاوضات في مسائل الحلّ النهائي التي عليها إجماع إسرائيلي مثل القدس، وعودة اللاجئين. وذهب فريقٌ ثالثٌ إلى أنّ الفشل من أيّ جانبٍ أتى أو بغضّ النظر عمَّن يتسبَّبُ به، سوف يعني الحرب. والحربُ الآن أو خلال شهورٍ صعبة التحمُّل على الجميع. انعقدت القمةُ العربية وكرر المؤتمرون رسائلهم التحذيرية إلى الإسرائيليين والأميركيين. وظلَّ أطفالُ فلسطين يرسمون الأرض وأزهارها وأشجارها. أمّا الأميركيون والإسرائيليون فيستمرون في جدالهم بشأْن ما يحقِّقُ مصالح الطرفين في الوقتِ نفسِه. وأمّا أحلامُ الأطفال فهي لا تدخُلُ في وعي الكبار أو اعتباراتهم أو تصرفاتهم.