في واشنطن هناك عبارة دارجة تقول: "الرئيس يقترح والكونجرس يلغي"، لكن إذا كان رفض مقترحات الرئيس هو من اختصاصات الكونجرس التي لا ينازعه فيها أحد، فإنه في حالة إصرار الكونجرس على رفض خطة الرئيس بشأن وكالة الفضاء الأميركية "ناسا"، والدفع في اتجاه حماية المصالح الخاصة للمناطق التابعة لنفوذ أعضاء الكونجرس، فسينتهي بنا الأمر ببرنامج فضاء باهظ التكلفة وغير ذي جدوى اللهم إلا الدفاع عن المصالح الخاصة. فقد وجه 27 عضواً في الكونجرس رسالة إلى مدير "ناسا"، تشارلز بولدن، تقول "إن إنهاء برنامج كونستيلايشن كان من اقتراح الرئيس لكن الكونجرس ترجع له الكلمة الفصل في قبول أو رفض البرنامج الفضائي، وفي الوقت نفسه سيستمر التمويل وكأن البرنامج مازال قائما". بيد أن الكونجرس إذا ذهب في هذا الاتجاه وأنفق الأموال على البرنامج، فإنه سيكون قد أهدر ملياري دولار هي القيمة الإجمالية التي كانت مخصصة له. ومهما انتهت إليه المناقشات العامة بشأن البرنامج الفضائي الذي تعارضه إدارة أوباما، فمن الواضح أن الولايات المتحدة لن تستمر فيه، لاسيما وأنه يقتصر على إعادة البشر مرة أخرى إلى القمر بحلول عام 2020، والأرجح أنه سيتم التخلي عن التكنولوجيا والمعدات المرتبطة بالبرنامج، سواء تعلق الأمر بالمركبات الفضائية الضخمة التي ترسل إلى القمر وتحمل على متنها الرواد، أو غيرها من الآليات المكلفة المتعلقة بالرحلة إلى القمر. ومع أن الرؤية العامة لسنة 2004 المرتبطة باستكشاف الفضاء تنطوي على كثير من الأمور والتفاصيل المتبصرة، فإن برنامج "كونستيلايشن" أثبت قصر نظره وعجزه عن استشراف المستقبل بحكمة. والحقيقة أنه لا يمكن فصل إصرار الكونجرس على تمويل البرنامج المكلف، رغم تحفظ الإدارة، عن محاولته إنقاذ العقود والأموال التي تحصل عليها مناطق نواب الكونجرس، والدليل الأبلغ على ذلك النائب الجمهوري من تكساس، رون بول، والسيناتور الجمهوري من ألباما، ريتشارد شيلبي، فهما وإن كانا يستميتان في المطالبة بخفض الإنفاق الحكومي ولا يتوقفان عن انتقاد إدارة أوباما بسبب برامجها المكلفة فإنهما، وللمفارقة، يدافعان عن البرنامج الفضائي المثير للجدل رغم التكلفة الباهظة. لكن خارج دائرة المصالح الخاصة في الكونجرس التي نصبت نفسها محامياً عن البرنامج، تحظى خطة أوباما بتأييد العديد من الجهات داخل الكونجرس وخارجه، فقد عبر رئدا الفضاء، "باز ألدرين" و"سالي رايد"، بالإضافة إلى باقي العلماء المختصين في الفضاء، عن مساندتهم لمقترح الموازنة الذي تقدمت به إدارة أوباما، ناهيك عن قادة سياسيين بارزين لم يتأخروا عن دعم مشروع الإدارة مثل حاكم نيومكسيكو، بيل ريتشاردسون، وزعيم الأغلبية السابق في مجلس النواب، نيوت جينجريتش، كما أن الجمعية الفضائية والعديد من الهيئات المهتمة بالفضاء أصدرت بياناً تشيد فيه بـ"رغبة الإدارة في بدء مشروع استكشاف النظام الشمسي، بالإضافة إلى باقي المبادرات الطموحة التي يتضمنها مقترح الرئيس أوباما". وفي نفس الوقت تبحث الإدارة عن الدعم التقني من "ناسا" لتدشين مرحلة جديدة من الاستكشاف تذهب أبعد من القمر، أو إلى ما يعرف بالمدار الأرضي المنخفض. فالزيادة الجديدة في موازنة "ناسا" والتي يساهم فيها شركاء تجاريون وجهات دولية تتعاون مع الوكالة لدعم البحث العلمي، من شأنها دعم مواصلة الإنسان لجهود استكشاف الكون. أما الانتقادات التي يوجهها المدافعون عن برنامج "كونستيلايشن" والقائلة بأن برنامج الإدارة يفتقد لأهداف واضحة ورؤية محددة، فهي انتقادات تجانب الصواب. فبدلا من القمر، ستكون الوجهة القادمة لرحلة الاستكشاف البشري للفضاء صوب كوكب المريخ، كما أن الجميع تقريباً في الأوساط العلمية والمهتمة باستكشاف الفضاء مجمعون في دعمهم لهدف توسيع الاستكشافات البشرية إلى ما بعد مدار كوب الأرض، وهم متفقون أيضاً على ضرورة مد وكالة الفضاء الأميركية بكل ما تحتاجه من موارد بغية تحقيق هذا الهدف، ومع أن الآليات المحددة لتحقيق الهدف لم يُفصل فيها بعد، لاسيما التكنولوجيا المعتمدة والطريقة التي سيتم بها إرسال بعثات بشرية إلى الفضاء البعيد، إلا أنه من المتوقع أن يتم الاتفاق على التفاصيل العلمية من خلال تباحث العلماء فيما بينهم ومن خلال التعاون الدولي بين مراكز الفضاء الأوروبية وغيرها، ولن تكون هذه التفاصيل مشكلة في حد ذاتها لو تمكنت الإدارة من صياغة مشروعها ووافق الكونجرس على الموازنة، بدل الإصرار على برنامج "كونستيلايشن" الذي يحصرنا في استكشاف القمر ولا يرقى إلى تطلعات العلماء والفضول الإنساني في الذهاب بعيداً داخل نظامنا الشمسي، وفي هذا الإطار يأتي عمل "لجنة أوجستين" التي كلفها أوباما في العام 2009 بإجراء مراجعة شاملة لمجمل برنامج الفضاء الأميركي لتحديد الآليات ووضع الخطوط العريضة لإقناع الكونجرس وتمرير مشروع استكشاف كوكب المريخ. ويبقى السؤال المطروح حالياً أمام أميركا والعالم بأسره، هو: هل علينا البدء في استكشاف الفضاء البعيد الآن، أم نضيع عقداً آخر من الزمن في الدوران حول الأرض؟ في كل الأحوال يتعين على "ناسا" الشروع في العمل ومراجعة برنامج "كونستيلايشن" الذي لن يوصلنا إلى القمر قبل عام 2030، كما لن يجتاز القمر إلا بعد ذلك التاريخ بزمن طويل، فيما الخطة الجديدة قادرة على تحقيق إنجازات أهم وفي مدة أقصر. لويس فريدمان مدير "جمعية كوكب الأرض" الأميركية المهتمة باستكشاف الفضاء ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم سي تي إنترناشيونال"