"الشر يجوب العالم"، وهو الكتاب الذي نعرضه اليوم، يرسم صورة قاتمة عما آلت إليه الأمور في العالم بسبب طغيان القيم المادية والأنماط الاستهلاكية والسياسات الاقتصادية المغلوطة بعدما تخلت الدولة عن دورها لصالح الشركات وعالم الأعمال... لكن الكتاب يستمد أهميته من مؤلفه "توني جودت" الذي يواصل التأليف والتفكير فيما يعكر صفو حياتنا المعاصرة، فهو أحد المؤرخين المرموقين الذين كتبوا عن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما أنه مثقف واسع الإطلاع وقد لامس في مؤلفاته موضوعات متنوعة، تنوع لا يقتصر على اهتماماته المختلفة، بل يمتد إلى دراسته الأكاديمية في جامعة كامبريدج، والمدرسة العليا للأساتذة في فرنسا التي تخرج منها كبار الفلاسفة والمفكرين، ليصبح مسؤولا عن معهد الدراسات الأوروبية بجامعة نيويورك. ورغم المرض القاسي الذي شُخص عند الكاتب السنة الماضية، وأرغمه على التنفس عبر الآلة، فإنه واصل إسهاماته الفكرية من خلال إلقاء المحاضرات وجمعها في كتب ومؤلفات أغنت الساحة الفكرية الغربية التواقة دائماً إلى الجديد ومساءلة الحياة والعصر. لذا جاء الكتاب حافلا بنبرة انتقادية لأوضاع العالم، معتبراً أن الأمور لم تعد على ما يرام اليوم، وهي صرخة ينطلق منها لتحليل أسباب هذا التململ الذي بات ملموساً في حياة الناس. فلثلاثين عاماً تقريباً تحول البحث عن المصلحة الخاصة في بعدها المادي الضيق، إلى فضيلة يسعى إليها الجميع، بل تحول السعي المحموم لتلبية الاحتياجات المادية، كما يقول الكاتب، إلى هدف أسمى بعدما فقد الأفراد بوصلتهم وأحاط بهم شعور بعدم اليقين والخوف من المستقبل. يواصل الكاتب توصيفه لعالمنا الخالي من القيم قائلا إننا أصبحنا قادرين على معرفة السعر والتكلفة، لكننا عاجزون عن معرفة القيمة الحقيقة، بل إننا في عالمنا المعاصر الذي تغرقه القيم المادية، لم نعد نتساءل ما إذا كان حكم قضائي أو قانون تشريعي عادلا ومفيداً للمجتمع، لأن سؤالا كهذا يحمل في طياته بعداً سياسياً بات الجميع يتحرج من إثارته خوفاً من تقويض مصالح الأقوياء وأصحاب النفوذ. غير أن الكتاب، وهو يشرح الاعتلال الذي أصاب العالم، لا يفقد الأمل ولا يعتبر الحاضر أمراً محتوما لا مخرج منه، فالطبيعة المادية للحياة المعاصرة والسعي الأناني لتحقيق المصلحة الضيقة على حساب الآخر، ليست جزءاً أصيلا في الطبيعة الإنسانية، فالعديد من الأمور التي تبدو طبيعية وراسخة في حياتنا ترجع فقط إلى ثمانينيات القرن الماضي؛ مثل هوسنا بخلق الثروة، ومبدأ الخصخصة الذي تحول إلى عقيدة لا يجوز المساس بها. والأكثر من ذلك ما يصاحب هذا التوجه من خطاب يفرط في إعجابه باقتصاد السوق دون مقاربة نقدية، فضلا عن احتقار القطاع العام وتسفيهه، والجري وراء أوهام النمو المستمر... لكن هذا الواقع، يقول الكاتب، غير قابل للاستدامة، ولا يمكن المضي فيه بعيداً. وقد جاءت الأزمة الاقتصادية عام 2008 لتذكر العالم بأن الرأسمالية المنفلتة عدوة نفسها لأنها آجلا أم عاجلا ستسقط ضحية تجاوزاتها لتضطر إلى العودة مجدداً إلى الدولة وتستجدي مساعدتها. وهناك جزء من المشكلة هو في نظر الكاتب غياب النقاش الذي طبع الحياة السياسية والفكرية الغربية إلى غاية السبعينيات بسبب غياب اليسار وترهله من جهة وتسيد قيم السوق والمقولات الاقتصادية المرتبطة به من جهة أخرى، ليصبح التسطيح والاختزال السمتين الرئيسيتين للرأسمالية الحالية التي تقدم على أنها الدواء الناجع لأمراض المجتمعات الساعية وراء الربح وخلق النمو الاقتصادي! ففي ناحية اليسار كانت الماركسية تحظى بشعبية واسعة لدى أجيال من الشباب لأنها أتاحت لهم فرصة الابتعاد عن جمود الوضع ونقده، والحيوية نفسها كانت على الجانب الآخر متمثلا في التيار الكلاسيكي المحافظ الذي طور مفاهيمه الخاصة بشأن التغيير والتمسك بالقيم السائدة. غير أنه اليوم لم تعد تلك الحيوية الفكرية والسياسية قائمة بعدما تراجع اليسار وتحول اليمين. وينتقل الكاتب إلى معالجة الجذور الفكرية لتلك الحيوية، مدافعاً عن الديمقراطية الاجتماعية، فقد كان أصحاب هذا التوجه الذي برز أول مرة في أوروبا من المنحازين لدور الدولة في الاقتصاد، على أن تحترم في نفس الوقت الرغبات الذاتية للأشخاص والمجتمع، فمن الناحية الثقافية والدينية حافظ الليبراليون، كما يعرفون في الولايات المتحدة، أو الاجتماعيون الديمقراطيون في أوروبا، على تسامحهم اتجاه الحرية الدينية والشخصية للفرد، لكنهم طالبوا الدولة بممارسة دورها في تعزيز التماسك عبر تقليل الفوارق بين أفراد المجتمع؛ ومن ناحية أخرى هناك المحافظون الذين يلتقون مع الليبراليين في تثبيت الحريات وإن كانوا يفترقون معهم في السياسة الاقتصادية من خلال رفضهم لرفع الضرائب التي ينادي بها الديمقراطيون الاجتماعيون وتركيزهم الحصري على النمو حتى لو كان على حساب شرائح واسعة من الشعب، والمشكلة حسب الكاتب أنه رغم فشل هذا النموذج كما أثبتت الأزمة الحالية مازلنا بعيدين عن الإصلاحات الجوهرية التي تمس أسس النظام المالي. زهير الكساب الكتاب: الشر يجوب العالم المؤلف: توني جودت الناشر: بنجوين بريس تاريخ النشر: 2010