درج فريق من الباحثين والكتاب العرب على اتخاذ موقف مضاد من "الغرب"، كلما ألمت بالعرب مُلمة أو مشكلة أو مصيبة، وهذا الموقف عريق قديم ربما يبدأ مع انتصار الغرب في معاركه من أجل الثورة والنهضة والإصلاح والتنوير والحداثة. يحدث ذلك انطلاقاً من اعتقاد يقوم على أن تقدم الغرب يقابله ثمن على الشعوب الأخرى أن تدفعه... لماذا؟ أجاب الدكتور عبدالوهاب المسيري- رحمه الله- على ذلك بخطأ آخر: "يفترض مفهوم التقدم (الغربي) وجود تاريخ إنساني واحد. ولذا ما يصلح لتشكيل حضاري وتاريخي ما، يصلح لكل التشكيلات الأخرى". (المسيري - العالم من منظور غربي). ويتابع المسيري معلناً عن كيفية مسار التقدم، إذ يرى: "التقدم عملية خطية ذات اتجاه واحد تتم حسب قانون طبيعي". في هذا الشعور من المسألة، يفصح "المسيري" عن قصور منهجي ومعرفي، وذلك حين يأخذ بآراء واحد من أنساق البحث الغربي في المسألة المذكورة، هو القائل بكون التقدم، هكذا على عواهنه، يتم دون تدخل الإنسان، أي بكيفية آلية تلقائية لا مجال فيها للفعل البشري. نلاحظ أن ما كتبه المسيري لا علاقة له بالتدقيق في موضوع بحثه، إذ ها هنا، ينبغي التمييز بين مسار الأحداث الطبيعية ومسار الأخرى من أحداث التقدم، هي المرتبطة بالفعل الإنساني، فعلى صعيد الأولى يتم التقدم (والتأخر) دون تدخل إرادي إنساني، في العموم والإجمال، أما في الثانية فإن الإنسان الباحث يكون جزءاً من موضوع البحث، وفق جدلية الذات والموضوع. أما أن يكون التقدم "عملية خطية وذات اتجاه واحد"، فهل يمكن الأخذ بهذه الفكرة في عصر تتعقد فيه كيفيات ذلك الأخير؟ أليس ما يحدث على صعيد الفعل ورد الفعل في التطور العلمي والتاريخ عنهما، تعبيراً عن تعقيد العملية التطورية؟ كم من النظريات العلمية جرى التشكيك فيها أو التأكيد على صدقيتها بعد التشكيك فيها؟ فنظرية داروين في تطور الأنواع ألمْ تعدْ مجدداً لحوار علمي واسع، بعد حدوث معطيات قد تكون مجدِّدة. ويزيد الدكتور المسيري على ذلك أن الغرب يقود انتصاراته العلمية تجاه "إنكار أهمية الآخر". وإذا دققنا في الأمر، نجد أنه في تحديده الغرب على أنه الغرب الموحَّد الواحد بإطلاق، إنما يقع في خطأ شنيع لا تقع فيه إلا واحدة من الحركات الدينية أو القومية القائمة على التعصب وضيق الأفق، وعلى أن "الآخر" مهما ارتفع شأنه، يظل دون "الأمة المثلى والأيديولوجيا المثلى". وعلى هذه الطريق، يتم استخدام تقدم الغرب للتشهير به وكأنه كتلة واحدة صماء، دونما غرب آخر أو أغراب أخرى، فبدلاً من ممارسة دراسة تاريخية نقدية لـ"الشرق والغرب"، يصبح الأول في مواجهة الثاني وهذا في مواجهة ذاك.