تتعرض مجتمعات الخليج ودوله إلى هجمة شرسة من جماعات الإسلام السياسي لفرض وصايتها على المجتمع والدولة، من منطلق ديني لا يراعي طبيعة الدولة ومصالح شعوبها. ففي الكويت مثلاً طالب نواب الإسلام السياسي بفرض الحجاب الشرعي على المرأة، ويشمل ذلك النائبات الأربع في مجلس الأمة، ووزيرة التعليم العالي والتربية، رغم حقيقة وجود حكم من المحكمة الدستورية يمنح المرأة حرية الاختيار. كما طالب بعض نواب مجلس الأمة في لجنة الظواهر الدخيلة، بمنع الرياضة النسائية وعدم مشاركة المرأة في الرياضة الأولمبية. وفي السعودية كفّر أحد علماء الدين كل من يدعو إلى الاختلاط بين الجنسين وأجازقتله... أما في البحرين فقد وافق مجلس النواب البحريني على منع الخمر في البحرين. ماذا تعني كل هذه المطالب الدينية المتشددة؟ إنها تعني بأن جماعات الإسلام السياسي في الخليج أصبحت تشكل تهديداً مباشراً لكيان الدولة الخليجية. فالتجربة الديمقراطية المتواضعة في الخليج، وتحديداً في البحرين والكويت، أوصلت إلى المجالس التشريعية أصولية إسلامية لا تؤمن بالديمقراطية ولا بالتعددية الفكرية. لقد أثبتت التجربة مع الديمقراطية، أن اهتمامنا وتطبيقنا للديمقراطية شكلي وصوري وليس حقيقيا. لقد تصورنا أن الديمقراطية تعني المشاركة في التصويت وحرية الكلمة في الحملات الانتخابية، وأن الأغلبية في المجلس هي التي تقرر كل شيء. لكننا أهملنا الديمقراطية كمفهوم ثقافي متكامل، بمعنى أن الديمقراطية فلسفة للحياة والمجتمع، وأن الديمقراطية لا يمكن فصلها عن العلمانية ومعناها فصل الدين عن الدولة، وإذا لم نفعل ذلك فالأمر سيعني السماح لجماعات الإسلام السياسي باختطاف الدولة باسم الدين. فنواب مجلس الأمة الكويتي أقسموا على حماية الدستور، ومعنى ذلك الإيمان بالدولة المدنية التي عمادها الدستور والقانون وليس الشريعة. الديمقراطية في البحرين والكويت أفرزت وعززت الولاءات الجانبية، مثل الولاء للقبيلة أو الطائفة على حساب الدولة. لقد حذر مؤسسو الديمقراطية في الغرب من هذه الظاهرة، حيث أكد الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو: "كل من يكفر الناس بشكل مسبق وبناء على أسس مذهبية وطائفية ينبغي استبعاده من الساحة السياسية بل وحتى الاجتماعية". وقد يتساءل البعض: كيف يمكن معرفة ما إذا كان النواب في البحرين أو الكويت يؤمنون فعلاً بالديمقراطية، وليسوا سياسيين يتاجرون بالدين للوصول إلى السلطة..؟ علينا أن نطرح عليهم بعض الأسئلة البديهية: هل أنتم مع المساواة الكاملة بين المواطنين؟ هل أنتم مع حرية المعتقد؟ هل تؤمنون بالمساواة بين الجنسين؟ وهل القوانين التي ستحكم الدولة والمجتمع قوانين وضعية يضعها المشرعون أم الشريعة الإسلامية التي يفسرها مشايخ الدين، كل على حسب البيئة التي عاش وتربى بها؟ ما نحتاج إليه اليوم في الخليج هو حتمية الفرز أو الفصل، إما أن تكون دولنا دولا ديمقراطية دستورية يحكمها القانون أو دولا إسلامية تقرر مصيرها فتاوى رجال الدين وأهواؤهم.