شمال كينيا المغبر لا يوحي بأنه مسرح تجربة رائدة، فعبر سهوله الجافة يقوم مربو الماشية المحليون بتجريب وسيلة جديدة لمكافحة الفقر والتعاون مع شركاء لا يخطرون على بال: إنهم موظفو شركات التأمين. المجموعتان تتعاونان تحت إشراف "معهد بحوث الماشية الدولي"، الذي يوجد مقره في العاصمة الكينية نيروبي، حيث تساءل العلماء في المعهد قبل بضع سنوات حول ما إذا كان من شأن وسيلة مبتكرة جديدة، تسمى "التأمين ذو المؤشر المناخي"، أن تساعد مربي الماشية الفقراء على الصمود أمام فقدان قطعانهم خلال فترات الجفاف. وقد بدأ التأمين ذو المؤشر المناخي قبل حوالي ست سنوات؛ وعلى غرار كل أنواع التأمين، فإن هدفه هو تخفيف الخطر. فعلى سبيل المثال، يدفع مالك منزل أقساط تأمين، وذلك حتى إذا انفجر أنبوب ماء مثلا، فإن شركة التأمين ستقوم بمنحه تعويضا ماليا - بعد أن تقوم بالتحقق من الضرر بالطبع. وبالنسبة لمربي قطعان البقر والجمال والماعز في مارسبيت، وهي منطقة جافة في كينيا تشترك في الحدود مع إثيوبيا، فإن الماشية هي مصدر الدخل، حيث تدر على العائلات ما تحتاجه من أموال؛ ثم إن قطيعاً كبيراً، وعلى غرار منزل كبير، هو مصدر ثروة ويمكن أن يشكل ضمانة للقروض التي يقول المحللون إنها أساسية من أجل انتشال الناس من الفقر. ولذلك، فإن فقدان بقرة يمثل ضربة مالية مدمرة لصاحبها. هذا هو نوع الأخطار الذي يمكن للتأمين تغطيته، ولكن موظفي شركات التأمين لن يسافروا إلى مارسبيت للتحقق من نفوق الماشية وتحديد حجم الخسائر. وفي هذا السياق، يقول "آندرو مود"، كبير العلماء في "معهد بحوث الماشية الدولي": "الواقع أنا ما كنا لنبدأ عملية تأمين تقليدية؛ فقد كان من الواضح جداً بالنسبة لنا منذ البداية أن الأمر لن ينجح". وهنا يبرز دور التأمين ذي المؤشر المناخي، الذي غير الطريقة التي يتم بها التحقق من الخسائر التي تلحق بالقطيع والمحاصيل. ومن جانبه، يقول "دان أوسجود"، الباحث بـ"المعهد الدولي للمناخ والمجتمع" بجامعة كولومبيا: "إن الفكرة من وراء وجود مؤشر تكمن في أنه بدلاً من تقديم تعويضات مالية بناء على الخسارة التي تلحق بالمحاصيل، فإنك تقدم تعويضات بناء على شيء بالإمكان قياسه على نحو مستقل". غير أن القياس في كينيا يتم على نحو مختلف بعض الشيء حيث يستعمل "مود" وفريقه "مؤشر اختلاف المراعي الموحد"، أو "إن دي في آي". وعن هذا المؤشر يقول "مود": "هذا هو مقياس مستوى الإخضرار على الأرض... إنه مؤشر جيد جدا لأنه يطلعنا على حجم الغذاء المتوفر للماشية". وتشرف على المؤشر وكالةُ "ناسا"، التي تستعمل الأقمار الاصطناعية لالتقاط صور للمنطقة منذ 1980؛ ومثل هذا السجل الطويل من البيانات هو ما سمح لـ"مود" باختبار ما بدا، في البداية، مجرد فرضيات بسيطة: هل للجفاف علاقة بتقلص المراعي؟ وهل لتقلص المراعي علاقة بارتفاع معدلات النفوق داخل القطيع؟ يقول "مود": "مما لا شك فيه أنها لم تكن واحدة من المسلمات. وإذا لم تكن العلاقة قوية، فحينها لن تكون للمؤشر قيمة". ولكن الاختبارات نجحت، وأضحى بإمكان شركات التأمين استعمال العلاقة المثبَتة بين المراعي ونفوق القطيع لإقامة صيغة مركبة تسمح لهم بعرض بوليصات تأمين بسعر معقول على مربي الماشية في المنطقة. وهكذا، بات بإمكان مزارع في أكثر جزء جفافاً من المنطقة تأمين بقرة مقابل 10 دولارات. وإذا هبطت مستويات الكلأ تحت مستوى معين، يحصل مربو الماشية على تعويض قدره 200 دولار عن كل بقرة مؤمَّنة. وفي هذا الإطار، يتوقع "مود" أن يقوم مربو الماشية بتأمين 50 في المئة من قطيعهم في هذا السنة التجريبية. وهذا يتغلب على أكبر مشكلة يواجهها أي برنامج تأمين: احتمال كذب المؤمَّن أو تعمده الإهمال حيث يقول أوسجود: "إذا كنت مزارعاً ولديك تأمين تقليدي، فسيكون لديك محفز لتترك محصولك يتلف؛ وسيتعين على شركة التأمين أن تكون جيدة جدا في قياس حالة محصولك والتحقق من أنك لم تتركه يتلف". ولكن البيانات بخصوص تساقط الأمطار والمراعي هي أمور يمكن التحقق منها بموضوعية، مما يقلص إمكانية الغش، إن لم يكن يستبعدها. غير أن التأمين ذو المؤشر المناخي لديه تحدياته الخاصة، ولعل أكبرها هو تصميم بوليصة تأمين يمكن للناس شراؤها؛ ويذكر هنا أن الأقساط التي يدفعها المؤمَّن في معظم برامج التأمين عن المحاصيل تتراوح ما بين دولارين و10 دولارات. وفي برامج تجريبية في تنزانيا ومالاوي وإثيوبيا ورواندا والهند وبلدان أخرى، تعمل الحكومات والمؤسسات غير الربحية والأكاديميون وشركات التأمين على ابتكار حزمات تأمين تكون شاملة وجذابة للمزارعين أو مربي الماشية المحليين. وقد ابتكر "المعهد الدولي لبحوث الماشية" لعبة لتفسير مزايا وفوائد التأمين لمربي الماشية الكينيين الذين أُعجبوا بالفكرة، ولكنهم أرادوا أن يعرفوا من أين تأتي هذه البيانات المتوفرة بشكل موضوعي. وفي هذا الإطار يقول "مود": "تخيلوا أن الأقمار الاصطناعية مفهوم غريب". ولتيسير الفهم، عقد أحدُ مدربيه مقارنة لافتة إذ يقول: "هؤلاء ناس يفهمون النجوم جيدا، ويستعملونها لمساعدتهم على توجيه تحركاتهم وغير ذلك. وبالتالي، فهم يدركون أن ثمة نجوما تتحرك ليلًا ما يسمونه "نجوما" بين مزدوجتين ولكنها مختلفة عن النجوم الدائمة. ونحن نخبرهم بأن هذه النجوم المتحركة هي أقمار اصطناعية تلتقط الصور. ------ جينا مور كاتبة أميركية متخصصة في الشؤون العلمية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"