منذ بداية الأزمة المالية العالمية، والأبحاث والدراسات حول هذا الموضوع لا تتوقف عن الحديث والتحليل حولها وحول النظام الرأسمالي، حيث صدرت العديد من الكتب التي تدور في غالبيتها حول تفسير وتحليل الأزمة، وما سبقها من ازدهار تحول في النهاية إلى أكبر فقاعة ائتمانية في التاريخ، حسب بول كروغمان الحاصل على "نوبل" في الاقتصاد. وقد خلفت الفقاعة الهائلة وراءها أزمة كلفت العالم نحو 65 تريليون دولار. ومن الكتب الصادرة مؤخراً كتاب "انهيار الرأسمالية"، للخبير الاقتصادي الألماني أولريش شيفر، وقد لخص فيه رؤيته حول أسباب وآليات الانهيار، مبيناً العوامل التي أدت إلى إخفاق اقتصاد السوق المتحررة من القيود، وموضحاً أن الكثير من برامج الإصلاح الاقتصادي لم تكن أكثر من إجراء سطحي هدفه الربح السريع، وأن تحرير السوق من القيود وتمكين القوى الرأسمالية منه، والحد من التدخل الحكومي، والإفراط في الاقتراض، والمضاربات الجنونية، وهشاشة النظام المصرفي... قادت الاقتصاد العالمي إلى أزمته الراهنة. لذلك يرى الكاتب أن العصر الذهبي الذي تمتعت به البلدان الصناعية منذ التسعينيات، سوف يصبح في ذمة التاريخ، وأن النظام الرأسمالي يقف الآن على عتبة الهاوية، وأن الركود الاقتصادي الذي نجم عن انهيار أسواق المال، تسبب في تبديد آلاف المليارات وضياع ملايين فرص العمل، وحوَّل ملايين الناس إلى فقراء. وباختصار شديد، فإن الصناعة المالية "المتطورة" خلفت وراءها "قنابل خطيرة" قادرة على إحداث دمار في الدول والمجتمعات. وذلك هو ما يدفع المواطنين في أغلب الدول الصناعية حالياً إلى الشعور بالفزع من الرأسمالية. وقد أوضحت صحيفة "الفاينانشيال تايمز" الاقتصادية هذا الشعور في نتيجة الاستطلاع الذي أشار إلى أن غالبية مواطني الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا، يرون أن العولمة خطر يتهددهم. وهذا ما تنبأ به "آرثر برونز"، محافظ البنك المركزي في إدارة نيكسون في سبعينيات القرن الماضي، عندما قال: "يؤدي تحرير أسواق المال إلى شقاء الإنسانية". لقد حوَّلت ثقافة الانفتاح والسوق المتحررة من القيود الناس إلى مجانين يشترون أسهم الشركات بصورة غير مسبوقة، ويعتقدون أن هذا الطريق سوف يحقق لهم الثراء بلا عمل أو جهد. وحسب "شيفر" فإن "أسراب الجراد" (المستثمرين الماليين الأجانب) والمبشرين بالاقتصاد الحر الذين اجتاحوا اقتصاد الدول غير الصناعية، حاملين معهم بعض الكتب ونصائح تقول: عليكم أن تفتحوا أبواب أسواقكم، وأن تمنعوا تدخل الدولة في الاقتصاد، وأن تستقطبوا رأس المال الأجنبي، وتفتحوا أذرعكم للمشروعات الأجنبية... كان لهم دور خطير في إحداث هذا الانهيار. لذلك أعتقد أن عضو الكونجرس الأميركي "هنري واكسمان"، كان صريحاً للغاية، في مارس 2008، عندما وجه اتهامه إلى رؤساء الشركات الكبرى متهماً إياهم بأنهم كانوا السبب المباشر في هذا الانهيار، حيث حدق في عيون ثلاثة رجال كانوا يتقاضون رواتب تفوق الخيال، بل كان كل منهم يكسب في عام واحد دخلاً يزيد بعدة أضعاف على ما يكسبه المواطن الأميركي (في المتوسط) طوال حياته، علاوة على مكافآت مالية بالملايين، إلا أنهم أخيراً قادوا شركاتهم إلى حافة الهاوية. لذلك خاطبهم واكسمان قائلاً: إنكم متورطون في خلق كارثة، وقد تحمَّل الجميع وطأة هذه الكارثة، فلم ينج منها أحد غيركم، فأنتم وحدكم خرجتم منها سالمين.