في كافة بلدان العالم التي تتمتع بنظم حكم ديمقراطية حقة تكون الانتخابات لحظة للمحاسبة، والتعبير عن الثقة في الرئيس القائم أو الحكومة الموجودة، أو عن إرادة التغيير للوضع الراهن نتيجة تقصير المسؤولين عن الحكم من وجهة نظر الناخبين في المدة الواقعة بين انتخابين. في هذه البلدان تجري الانتخابات وفق قواعد مستقرة تحدد الهيئة الناخبة سلفاً، وتنظم العملية الانتخابية، ويُقبل الناخبون على المشاركة في الانتخابات ثقة منهم بأنها آلية لترسيخ الواقع الراهن الذي يرضون عنه، أو لتغيير ذلك الذي يرفضونه، وتسود الثقافة الديمقراطية، فتفتح الباب للقبول الطوعي لما تسفر عنه الانتخابات، لأن الثقة مطلقة في نزاهة العملية الانتخابية، ثم تتشكل الحكومة استناداً إلى حزب الأغلبية أو إلى ائتلاف حزبي يهيمن على أغلبية المجلس التشريعي. لكن ما يحدث في البلاد التي لم تترسخ فيها الديمقراطية مغاير تماماً لما سبق، فالانتخابات أقرب إلى أن تكون أداة لإضفاء الشرعية على ما هو قائم منها إلى أن تكون آلية للحكم عليه، والقواعد التي تجري الانتخابات في ظلها غير مستقرة وتتغير وفق مصالح الحكومات القائمة، وهكذا يمكن أن تحرم فئات من حق الانتخاب لا لشيء إلا لأنها معارضة للوضع الراهن، ويتم التلاعب بالنواحي الإجرائية في الانتخابات بما يحقق أهداف القائمين على الحكم، وتتراجع نسب المشاركة نتيجة اليأس من إمكانية التغيير، وتتصاعد اتهامات التزوير بعد كل انتخاب، ناهيك عن تعثر تشكيل الحكومات في بعض الأحيان بسبب الحرص على معالجة التشوهات التي حدثت إبان الانتخابات. تذكرت هذا كله وأنا أتابع الانتخابات العراقية، وهي تقدم نموذجاً أميناً لما يجري في عديد من بلداننا العربية. هذا فضلاً عن أنها تزيد على ما سبق بكونها تتم في إطار صراع شرس على مستقبل العراق بين المحتل الأميركي والمتدخل الإيراني. أتذكر الآن الجدل الواسع الذي كان قائماً بين من ينظرون إلى هذه الانتخابات باعتبارها طريقاً نحو مستقبل جديد للعراق، ومن يرون أنه لن يكون ثمة جديد تحت الشمس، وربما تسفر ملابسات الانتخابات الحالية عن حالة وسط لكن الهموم الانتخابية السابقة حاضرة بقوة. في البدء كان "الاجتثاث"، بمعنى حرمان فئات واسعة من حقوقها الانتخابية، بحجة تاريخها الإجرامي في النظام السابق، وبغض النظر عن رأينا في هذه الفئات المحرومة فإن المعنى الأساسي لـ"الاجتثاث" هو أن قوة مؤثرة في الساحة السياسية العراقية أرادت أن تشارك فحُرمت من هذا الحق، وهو ما يفضي إلى ألا تكون نتائج الانتخابات معبرة بصدق عن مكونات الجسد السياسي العراقي، وإلى احتمال أن تلجأ الفئات المحرومة لاحقاً إلى العنف أو إلى مزيد منه. وبالإضافة إلى ذلك ثمة قوى تقاطع الانتخابات أصلاً كعديد من فصائل المقاومة التي ترفض الانتخابات في ظل الاحتلال، والقطاعات فاقدة الثقة في الانتخابات -وقد قدرتها استطلاعات الرأي العام وأثبتت مجريات العملية الانتخابية صحة هذه التقديرات- بما يزيد عن ثلث الهيئة الناخبة، ويعني كل ما سبق أن الانتخابات العراقية قد لا تعبر سوى عن إرادة نصف الناخبين على أحسن تقدير. ومن الحقيقي أن هذه النسبة تسوء عن ذلك بكثير في بلدان أخرى، غير أن العراق يمر بظرف خاص يحتاج فيه إلى تكاتف الكل من أجل إيجاد مخرج من الوضع الراهن. تبدأ الانتخابات بعد هذا الاستبعاد الضخم فلا يجد ناخبون كثيرون أسماءهم في الكشوف الموجودة في مقار اللجان الانتخابية، أو لا يعثرون على هذه اللجان أصلاً، فيحرمون من الناحية الواقعية من ممارسة الحق في الانتخاب ليس بقرار وإنما بسوء تنظيم متعمد أو غير متعمد. ثم تأتي بعد هذا كله اتهامات التزوير، وقد يقال إن هذه الاتهامات أصبحت معتادة في كل انتخابات، لكنها بالتـأكيد ليست بلا أساس، وثمة مؤشرات مقلقة في الحالة الراهنة، فلماذا هذا التأخير غير المبرر في إعلان النتائج؟ ولماذا هذه الطريقة في الإعلان؟ فبين الحين والآخر يخرج تصريح رسمي أو تسريب صحفي بأن قائمة كذا قد تقدمت في محافظة كذا، وهو عادة ما يكون من قبيل تحصيل الحاصل، لكننا لا نسمع حديثاً عن نسب على الإطلاق، ويبدو الأمر أحياناً وكأن الجهة المسؤولة عن الفرز تتعامل مع النتائج بطريقة بالونات الاختبار، ناهيك عن أن اللقطات المصورة من داخل لجان الفرز تشي بكثير من الفوضى وتبعث قليلاً من الاطمئنان. لهذا كله يتعين على المرء ألا يضع آمالاً كباراً على نتائج هذه الانتخابات، وخاصة أن مدة طويلة سوف تنقضي قبل أن تتشكل حكومة جديدة على ضوئها نتيجة الإصرار على مفهوم "الديمقراطية التوافقية" أو بلغة أكثر صراحة وسوءاً "المحاصصة الطائفية" في مقابل المفهوم الذي يجب أن يسود وهو الوطنية العراقية. ولنتذكر أنه في الحالات التي بدا فيها أن الانتخابات يمكن أن تحدث تغييراً جذرياً في النظام السياسي في بلد من البلدان قامت القيامة حتى أجهضت نتائج هذه الانتخابات، ففي الجزائر تدخل الجيش في1992 ليمنع فوز جبهة الإنقاذ بالأغلبية، وفي اليمن أدى تقدم حزب الإصلاح على الحزب الاشتراكي في أول انتخابات تشريعية بعد الوحدة عام2003 إلى بدء تململ الأخير من بنية السلطة في دولة الوحدة التي كان شريكاً أساسياً في تأسيسها عام 1990 مع المؤتمر الشعبي العام في الشمال، وهو ما فتح الباب لتوترات بين الطرفين انتهت بحرب الانفصال عام 1994 ونجاح السلطة المركزية في الدفاع عن الوحدة. وفي مصر اختلفت نتائج المرحلتين الثانية والثالثة عن مثيلتها في الأولى في الانتخابات التشريعية لعام 2005، وفي غزة أدى فوز "حماس" بالأغلبية التشريعية في انتخابات نزيهة عام 2006 إلى سلسلة من التوترات بينها وبين "فتح" بالإضافة إلى ضغوط الحصار الخارجي، وانتهى الأمر كله بصدام مروع بين الفصيلين في قطاع غزة وتأكيد "حماس" سيطرتها على القطاع فيما بقيت السيطرة على الضفة لمن خسروا الانتخابات، والبقية تأتي. فهل كتب علينا نحن العرب أن يبقى البون شاسعاً بيننا وبين الديمقراطية إلى هذا الحد؟ سؤال يبدو أن إجابته لا تحمل لنا كثيراً من الاطمئنان على المستقبل.