قبل أسبوعين كتبت في هذه الزاوية مقالة بعنوان: "إسرائيل المارقة"، وكل يوم تؤكد إسرائيل تلك الصفة. ولا شك أن ما كشفته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن مخطط إسرائيلي خطير لبناء 50 ألف وحدة سكنية استيطانية في القدس الشرقية، أتى ليزيد الطين بِِلة عقب الصفعة المدوية التي استقبلت بها تل أبيب "بايدن" الذي يفاخر بأنه صهيوني وصديق ملتزم بأمن إسرائيل وحمايتها. وذلك عندما أعلنت عزمها بناء 1600 وحدة سكنية في مستوطنة في الضفة الغربية، وسط انتقادات أميركية وأوروبية لاحقة لا ترقى للإدانة والمنع. وبهذه الكيفية تقوض إسرائيل، عن سابق إصرار وترصُّد، أية محاولة لتحريك عملية السلام المتحنطة التي منحها وزراء الخارجية العرب بعد اجتماعهم مطلع مارس الجاري فرصة التفاوض غير المباشر لمدة أربعة أشهر، ليكون الرد على القرار العربي هو هذا الفشل الإسرائيلي في التقاط خيوط رسالة السلام. لقد تحدث نائب رئيس الوزراء القطري عن تشكك عربي في نوايا إسرائيل في التفاوض منذ مؤتمر مدريد، مؤكداً أن إسرائيل "أمنت العقوبة". بينما اكتفى أمين عام جامعة الدول العربية -الذي تتحضر جامعته لقمة عادية في ليبيا نهاية الشهر الجاري- بالحديث عن غضب الجامعة، ووصف قرار إسرائيل ببناء المزيد من الوحدات الاستيطانية بأنه "إهانة لكل العرب". ودعا العرب إلى اتخاذ موقف قوي يعبّر عن احترامهم لأنفسهم، لأن إسرائيل لا تقيم وزناً لأحد ابتداء من الوسيط الأميركي وانتهاء بالعرب أجمعين. وكانت إسرائيل قد سبقت تلك التجاوزات كلها بما هو أخطر، حين تعدت على سيادة الدول واستهانت بشعور العرب والمسلمين حين قام الموساد باغتيال المبحوح، وتبعت إسرائيل ذلك باستفزاز لمليار ونصف مليار مسلم بإعلانها ضم الحرم الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال للتراث اليهودي في سطو فاضح ومكشوف على التراث الإسلامي. وكل هذا لا شك يقوض كلياً أي جهد لاستئناف عملية السلام. والمفارقة أن بايدن قبل اعتذار إسرائيل عن توقيت إعلان بناء 1600 وحدة استيطانية، وليس عن قرار البناء المخالف للقانون الدولي جملة وتفصيلاً. بل إن بايدن اكتفى بالتعليق على ما تقوم به إسرائيل قائلاً إنه "يقوض الثقة" و"كفيل بتهديد جهود السلام" دون توجيه تحذير أو إصدار تنديد قوي. ومما لا يخلو من دلالة مسارعة واشنطن والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا وبريطانيا إلى التنديد بالخطوة الإسرائيلية، وكأنهم جميعاً يبرئون ذممهم دون اتخاذ أية إجراءات أو عقوبات. باستثناء التأكيد على عدم شرعية الخطوة والتنديد بتوقيتها لأنها تهدد عملية السلام وترسل إشارة سيئة في توقيت سيئ. أما ما لا يقال علناً فهو أن إسرائيل -على ما يبدو كما ذكر رئيس الوزراء القطري محقاً- قد أمنت العقوبة بالفعل. وخاصة أنها ترى أوباما محاصراً وهو يمضي في عام انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر القادم، ويبدو أيضاً منهكاً بآثار الأزمة الاقتصادية وتعثر تمرير قانون التأمين الصحي والإصلاحات الصحية، والتلاسن بينه وبين رئيس المحكمة العليا في الداخل، فيما يخوض حربين ثقيلتين في الخارج. وإلى جانب ما يدلهم حوله من هموم تريد إسرائيل أيضاً إثخان وتعميق جراحه وإحراجه بصلفها وعنجهيتها المعتادة. إن كل ذلك يجعل أوباما وإدارته -كما يقول بريجنسكي- يبدو متردداً وضعيفاً. وهذا ما يكرره بقايا المحافظين الجدد وخصوم أوباما أيضاً، حيث يبدو سيد البيت الأبيض منهكاً ومتعباً وهو يواجه في الوقت ذاته تطلعات المعتدلين العرب الذين طالما راهنوا على قدرة أوباما على تحقيق شيء، بحكم انخراطه المبكر في عملية السلام وتعيينه في اليوم الأول من عهد إدارته جورج ميتشل مبعوثاً للسلام، الذي يزور المنطقة كل شهرين ويخرج بخفي حنين وسط إشاعات عن عزمه تقديم استقالته بسبب التعنت الإسرائيلي. والراهن أن رسالة الصفعة الإسرائيلية لأميركا والإهانة للعرب قد وصلت ويجب الرد عليها بطريقة غير تقليدية. فأي تعامل مستقبلي مع إسرائيل لا ينتهج خطوات مختلفة وجريئة تكسر أسر النهج التقليدي الذي يكتفي بالتنديد والاستنكار لا تُعتبر مضيعة للوقت والجهد فحسب، بل تعد أيضاً مكافأة لإسرائيل على تعنتها وعنجهيتها وتحولها إلى دولة مارقة بامتياز. لنغير مسار اللعبة بشكل مدروس. على العرب أن يوقفوا مسار التفاوض العبثي، وعلى أميركا أيضاً أن تملك الجرأة وترد على الصفعة بإعلان الطرف المسؤول عن عرقلة مسار عملية السلام ووضع إسرائيل أمام مسؤولياتها ككيان مارق يهدد الأمن والسلم الدوليين، مع ما يترتب على ذلك من تبعات استراتيجياً وقانونياً.