في كتابه "نهاية الحزب: صعود وسقوط حزب العمال"، يقدم لنا "أندرو رونزلي المحلل السياسي لصحيفة "الأوبزرفر" البريطانية تأريخا لحزب العمال خلال الفترة بين 2001 و2009. وهذا الكتاب الذي نشر على حلقات مسلسلة، يتناول الفترة التي سبقت حرب العراق، والعلاقة الوثيقة بين بلير وبوش، والتي يصفها المؤلف بأنها كانت شبيهه بعلاقة السيد بالتابع، وأنها قادت بلير إلى اتخاذ أكثر قراراته في السياسة الخارجية مدعاة للتساؤل، أي قراره الخاص بدعم غزو العراق مستنداً في ذلك -كما ظل يدعي على الدوام- إلى ما كان يمثله نظام صدام حسين من خطورة على السلام والأمن العالميين، بسبب امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، وعلاقاته بـ"القاعدة"، ولاعتقاده أيضاً، كما يصر حتى الآن، على أن مصالح بريطانيا تتم خدمتها على أفضل ما يكون من خلال التحالف مع واشنطن. ويشير المؤلف إلى ما ردده بلير منذ مدة قريبة، من أنه لو عاد به الزمن إلى الوراء فسيتخذ نفس القرار مرة أخرى، وأنه سيحظى بمصادقة التاريخ ومباركة الخالق. ويتطرق المؤلف إلى تاريخ العلاقة بين بلير وبراون عندما كان الآخير وزيراً للخزانة، وكيف أن تلك العلاقة قد بدأت بتحالف عادي، وانتهت بخلافات حادة واتهامات متبادلة بين أقطاب الحزب هددت استقراره في الصميم، كما هددت باحتمال فقدانه لمكانته بعد انتصاره التاريخي المذهل على حزب المحافظين في انتخابات عام 1997. ويقول المؤلف إن تلك الصراعات أضعفت كثيراً من حزب العمال الذي كانت مصداقيته قد تأثرت بسبب عجزه عن تطبيق سياسة "الطريق الثالث" التي صاغها "توني جيدنز"، المفكر الاجتماعي ورئيس كلية لندن للاقتصاد والعلوم الاجتماعية، وتبناها بلير الذي كان معجباً بأفكار "جيدنز" وحاول من خلالها المزج بين سيطرة الدولة على مفاصل الاقتصاد وبين سياسة تحرير الاقتصاد وإطلاق حريته، غير أنه لم ينجح في ذلك بل تعرض لاتهامات من قبل خصومه بأنه كان يحاول تسويق النموذج الأميركي داخل حزب العمال، وأن الأمر قد انتهى به إلى نوع من "الانتهازية ذات الوجه الإنساني". أما عن سنوات براون في وزارة الخزانة، فيقول المؤلف إن أسلوب عمله كان يتسم بالترقب والحذر في كافة الأمور بصورة مبالغ فيها، لدرجة دفعت البعض لإطلاق لقب "وزير الخزانة الحديدي" عليه، لكنه تمكن من إعادة إطلاق عجلة النمو الاقتصادي في بريطانيا بطريقة غير مسبوقة، كما تمكن من تنشيط سوق العمل، وتخفيض معدلات البطالة، والمحافظة على معدلات منخفضة للفائدة. ويكشف الكتاب عن أن براون أقرب اقتصاديا إلى الولايات المتحدة من بلير، وأنه من هذا المنطلق عارض سياسات بلير الأوروبية. ويخصص المؤلف صفحات عديدة للحديث عن الطباع الشخصية لبراون، وحدة طبعه، ومزاجه الكئيب، وتعامله بجفاء مع العاملين معه، بل ولجوءه أحيانا إلى تهديدهم. وليست تهمة سوء معاملة أطقم العاملين معه هي كل ما يوجه خصوم براون إليه، بل إن زملاءه أنفسهم يصفونه بأنه شخصية مستبدة للغاية، ورجل محب للسيطرة والتحكم، ولا يستمع لنصائح المستشارين ويرى المؤلف أن كشف عيوب براون قد أفاده من حيث أراد الآخرون الإضرار به! فالشعب البريطاني قد يرى أن كل تلك العيوب ليست ذات شأن كبير، وأن الرجل على وجه العموم يتميز بالصدق، ويوحي بالثقة بدليل تاريخه في وزارة الخزانة وأنه في كثير من المواقف اختلف مع زعيمه في السياسات ولم يتردد في مواجهته رغم ما كان يعنيه ذلك من خطر على مستقبله وحظوظه السياسية. وفي النهاية يرى المؤلف أن نشر هذه التفاصيل عن حزب العمال البريطاني في هذه الشهور التي تسبق الانتخابات القادمة أمر ضروري لأنه من حق الشعب البريطاني أن يعرف الحقيقة كاملة، وألا ينشغل بتلك السجالات المحتدمة بين الحزبين الكبيرين، فمن حقه كذلك أن يعرف حقائق السياسات الداخلية وما يدور في كواليسها، وأن حرب العراق بالذات، رغم إنكار بلير المستمر، كانت ذات تأثيرات كارثية على بريطانيا لا تزال تفعل فعلها حتى اليوم. سعيد كامل ------- الكتاب: نهاية الحزب: صعود وسقوط حزب العمال الجديد المؤلف: أندرو رونسلي الناشر: فايكنج تاريخ النشر: 2010