يأتي العدوان المتجدد على الأقصى وقتل المصلين المسلمين في حرمه، وإعلان المسجد الإبراهيمي ومسجد بلال وكثير من المواقع الأثرية العربية والإسلامية إرثاً يهودياً، ليؤكد على إرادة إسرائيل بأن يكون الصراع دينياً، على رغم أن العرب حاولوا على مدى عقود الصراع استبعاد الدين عن دوافعه وتقديم تفسيرات سياسية واقتصادية وإمبريالية لكنها لم تفلح في إقناع إسرائيل بأن تخرج عن تفسيرها الديني التوراتي لوجودها في الأرض التي تسميها أرض الميعاد، ويكشف الإصرار على يهودية إسرائيل عن كون الأفكار الدينية هي المحرك الأساسي للإسرائيليين، وهذا ما لا تخفيه الحقائق التي بنيت على أساسها الحركة الصهيونية منذ مؤتمر بال. وقد تجاهل العرب هذه الحقائق أملاً في إبعاد الأديان عن الصراعات، ومرجعيتهم في ذلك نصية وتاريخية، فمنذ أن انطلقت الفتوحات الإسلامية كانت الوصية التي حملها المسلمون من جوهر العقيدة الإسلامية هي وصية أبي بكر "لا تؤذوا راهباً أو عابداً ولا تهدموا معبداً أو صومعة... إلخ". وهي تؤكد أن مهمة الفتح تبليغ رسالة الإسلام مع احترام كامل لكل الأديان وعدم إكراه الناس على عقيدة معينة، فللناس حريتهم في اختيار معتقداتهم وأفكار حياتهم وهذا ما يفسر بقاء التنوع الفكري والثقافي في حياتنا العربية والإسلامية على مدى العصور. وقد استنكر المسلمون في العالم كله هدم تمثال لبوذا في أفغانستان وأجزم بأن من هدمه كان يريد تشويه الإسلام فكل المعابد والتماثيل المنتشرة في العالم الإسلامي رآها الفاتحون المسلمون الأوائل، فلم يهدموا منها حجراً، ودليلنا بقاء مئات التماثيل في الآثار التي نحافظ عليها حفاظنا على كل التراث الإنساني ما نقبل منه وما نرفض عقائدياً. وحين غزا الأوروبيون بلادنا العربية الإسلامية باسم الصليب وسموا حملاتهم "صليبية" رفض المسلمون هذه التسمية وسموا تلك الحملات "حروب الفرنجة" لأنهم يرفضون أن يخوضوا حرباً ضد المسيحية مما جعل المسيحيين العرب يقفون مع أهلهم العرب المسلمين ويدافعون عن الأمة دون النظر إلى أي بعد ديني. وحسبي أن أتذكر هنا عيسى العوام العربي المسيحي الذي ما يزال يذكره أهل عكا، ويمجدون بطولته فهو الذي اخترق حصار عكا عام 1189م ليتواصل مع صلاح الدين الأيوبي (وبمناسبة ذكرنا لعيسى أحيي أهلنا في عكا اليوم الذين يصرون على تسمية المرفأ باسم مرفأ العوام ويرفضون تهويد الاسم، ويصرُّون على وجود نصب تذكاري لبطلهم عيسى). وأنا أذكر هذه المواقف التاريخية لكي يقارن العالم بين موقف العرب من التعددية الثقافية، وموقف الإسرائيليين الذين يصرون على إلغاء التنوع والتعدد ويمضون في سياسة التهويد عبر تزوير التاريخ وإلغاء الآخر. ولقد كان قرار إسرائيل مؤخراً بضم الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال باسم "قبر راحيل" في بيت لحم، إلى قائمة التراث اليهودي، قد قوبل بغضب إسلامي متأجج على صعيد شعبي ولاسيما في الأرض المحتلة التي تنوب فيها فئة قليلة من أبنائها عن مسلمي العالم في الدفاع عن المقدسات. ولكن المجتمع الدولي قابل القرار ببرود باهت على رغم تناثر التصريحات الدبلوماسية التي شجبت وأدانت، وتناسى قادة العالم الكبار أن الأسرة الدولية مسؤولة قانونياً عن حفظ التراث الإنساني تنفيذاً لاتفاقية لاهاي التي اختصت بحماية المواقع والممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، وقد عرفت الاتفاقية هذه الممتلكات بأنها المباني والتراث الشعبي الثقافي (الديني والدنيوي) وكل ما له قيمة فنية أو تاريخية أو أثرية. وبالطبع سيبدو تذكيرنا للمجتمع الدولي بالاتفاقيات الدولية تعبيراً عن الضعف العربي والإسلامي لأن هذه الاتفاقيات تخترق يومياً من قبل إسرائيل، منذ أن بدأت نشوءها بطرد الشعب الفلسطيني من أرضه واستمرت عقوداً من التاريخ الحديث تقتل وتبيد غير آبهة بقانون أو شرعية دولية والعالم يتفرج. وهي اليوم تمعن في الاستهانة بالقوانين والاتفاقيات الدولية حين تتابع طرد سكان القدس وهدم بيوتهم وتعلن ضم الممتلكات الثقافية الإسلامية هازئة بكل قرارات الأمم المتحدة التي ما تزال تعتبر ضم القدس الشرقية غير قانوني، ويبدو كأن كثرة من قيادات المجتمع الدولي وقعت أسيرة وهْم الصهيونية ووهم ما تقدم للآخرين من مبررات وجودها ضماناً لمصالحهم، أو استغلالاً لمشاعرهم الدينية التوراتية، فنحن لا نكاد نسمع من سادة وقيادات المجتمع الدولي غير تأكيد الالتزام بأمن إسرائيل دون أي اهتمام بأمن الفلسطينيين. وقد اكتفت الولايات المتحدة بوصف قرار ضم الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال للتراث اليهودي بأنه استفزازي، فقد قال كراولي باسم الخارجية الأميركية "إن قرار الحكومة الإسرائيلية بضم الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال وأسوار القدس إلى التراث اليهودي قرار استفزازي"، وانتهى الأمر بمتابعة إسرائيل لقرار الضم الذي جاء متزامناً بشكل مريب مع إعلان مفبرك حول استئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، ومتزامناً مع إعلان نتنياهو بناء ألف وستمائة مسكن جديد في القدس ومتابعة بناء المستوطنات في الضفة الغربية. ولقد أدانت واشنطن قرار بناء المستوطنات الجديدة، ولكنها تتصرف كما تفعل الدول التي لا تملك حولاً ولا قوة لردع إسرائيل! وأعتقد أن هذه القرارات عبرت عن استهانة إسرائيل بشكل مزرٍ بالقرارات العربية التي بدت مجانية، مما جعل التحذير من نشوب حرب دينية أو المطالبة بانتفاضة جديدة رداً وحيداً على الصلف الإسرائيلي. والمفارقة أن قرارات إسرائيل التعسفية تزامنت مع ذكرى المولد النبوي الشريف واحتفال المسلمين وبخاصة شعب فلسطين بذكرى مولد النبي الأعظم، صلى الله عليه وسلم، مما جعل الاستفزاز يبلغ ذروته. وكذلك تزامنت القرارات مع ذكرى مذبحة الحرم الإبراهيمي فكأن إسرائيل تحيي بهذا القرار ذكرى الإرهابي المجرم الكبير باروخ غولدنشتاين الذي اقتحم في 25 فبراير 1994 الحرم الإبراهيمي وأطلق النار على المصلين وكان كذلك يوم جمعة ويومها تدخل الجيش الإسرائيلي، ولكن ليس لحماية المصلين وإنما لقفل أبواب الحرم ومحاصرته كي لا ينجو أحد من المجزرة. وقد قتل الإرهابي الإسرائيلي أكثر من خمسين فلسطينياً كانوا يصلون، وتم تفسير هدف الجريمة يومها بأنه لتعطيل تنفيذ اتفاقية أوسلو. وكذلك نسف نتنياهو بقراراته الاستفزازية كل النتائج التي يترقبها الحالمون بمصداقية لإسرائيل قبل أن يأتي "بايدن" وقبل أن تعقد الرباعية اجتماعاتها المرتقبة.