من المرتقب أن تبدأ المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين والمفاوضين الأميركيين الأسبوع المقبل، لكني غير متفائل نظرا للبون الشاسع الذي يفصل بين مواقف الطرفين ولتراجع الثقة في الولايات المتحدة. فالإسرائيليون يدلون بتصريحات مستفزة حول الاحتفاظ بوادي الأردن، ويدعون أحقيتهم على مواقع في الخليل وبيت لحم، ويضيقون الخناق على القدس. وبموازاة ذلك، فإن البيت الفلسطيني مايزال منقسما في ضوء تعثر محادثات المصالحة بين حركتي "فتح" و"حماس". وعلاوة على ذلك، فإن التوتر ما فتئ يزداد حدة في القدس وأماكن أخرى في الضفة الغربية، حيث بدأت تظهر مؤشرات على تراجع المقاومة غير العنيفة للقرارات الاستفزازية الأخيرة التي تتخذها سلطات الاحتلال أمام مواجهات أكثر عنفا. ولعل الأخطر من ذلك كله هي الأوضاع المزرية في غزة بسبب استمرار الحصار الذي يجثم على صدور سكان القطاع، والذي مايزال تجاهله مستمرا كما لو أن ما يحدث لـ40 في المئة من السكان الفلسطينيين لا يهم. خلال يومه الثاني في السلطة، تحدث أوباما أثناء مراسم تعيينه لجورج ميتشل مبعوثا خاصا للسلام في الشرق الأوسط، على نحو بليغ حول معاناة سكان غزة، ودعا إلى إنهاء الحصار، وهي رسالة كررها في مناسبات مختلفة، غير أن الحصار مايزال قائما رغم مرور 14 شهرا على ذلك. فقد انصب التركيز على "تجميد" الاستيطان؛ لكن ذلك لم يجد فتيلا. ثم مورست الضغوط على الفلسطينيين لسحب دعمهم لتقرير جولدستون وبدء المفاوضات مع الإسرائيليين "بدون شروط مسبقة"؛ غير أن هذا الجهد لم ينجح إلا جزئياً كذلك. وخلال كل هذا الوقت، لم يعد التركيز منصبا على رفع معاناة غزة، كما لو أن الحياة هناك ليس لها قيمة، وتلبية الاحتياجات الإنسانية للسكان مهمة ثانوية وينبغي ألا يُسمح لها بأن تشوش على العملية السياسية الأهم. غير أنه ليس في الأمر جديد، فهذا التجاهل للوقائع على الأرض هو ما عودتنا عليه الإدارات الأميركية السابقة. ومثلما كان ينبغي أن نتعلم من فترة أوسلو، فإن المفاوضات تتأثر سلبا إذا كانت تجارب الحياة اليومية للناس في تدهور. ففي التسعينيات، عندما تضاعف حجم المستوطنات في الضفة وأُنشئت شبكة طرق خاصة باليهود فقط، مما تسبب في تقسيم المنطقة إلى قطع، وقيَّد بشكل كبير حركة الفلسطينيين، وتسبب في ركود اقتصادي تضاعفت معه أعداد الفلسطينيين العاطلين عن العمل، وحدث تراجع حاد في دخل الأفراد... حذرتُ المفاوضين الأميركيين من مغبة تجاهل هذه الحقائق المقلقة. لكنهم لم يلتفتوا للتحذير، مشددين على أن الأولوية هي لـ"عملية السلام"، وأن بواعث القلق الأصغر يمكن تأجيلها. ومثلما اكتشفنا لاحقا، تم إلقاء اللوم على كل شيء، إلا على التخلف عن الاعتراف بالشعور المتزايد باليأس والغضب بسبب تدهور الأوضاع على الأرض. ولأننا نواجه المشكلة نفسها من جديد، فإني لست متفائلا، لأننا نتجاهل الواقع مرة أخرى. لكن أرجو ألا يساء فهمي؛ فأنا لا أعارض بدء المفاوضات، وإنما أرى أن على الولايات المتحدة أن تفعل أكثر من مجرد عقد مفاوضات (مباشرة أو غير مباشرة)، ثم لعب دور الوسيط إذا كان يقدر للفوضى الحالية أن تأتي بنتائج. فالذي سيساعد عملية السلام هو إظهار قوي للزعامة الأميركية على نحو يرسل إشارة إلى كل الأطراف تفيد بـ"تغير اللعبة". مثل هذا التحرك هو ما اقترحه مؤخرا عضو شجاع ومتعاطف في الكونجرس الأميركي، بريان بيرد (الديمقراطي عن ولاية واشنطن)، والذي كان قد عاد للتو من زيارته الثالثة لغزة منذ الحرب. وكان "بيرد" منزعجا للغاية بسبب تأثيرات الحصار المتواصل على السكان المدنيين هناك، حيث لفت إلى أن أكثر من نصف سكان غزة تقل أعمارهم عن 14 سنة، معتبراً الحصار "عقابا جماعيا". وقال إن الإسرائيليين يتجاهلون دعوات إنهاء الحصار، معتبرا أن مزيدا من "التفاوض مع الإسرائيليين من أجل "الإذن" بفتح قطاع غزة أمام مواد البناء والتجارة، إنما هو "تضييع للوقت وإهانة لبلدنا". وما يقترحه "بيرد" هو أن يزور ميتشل غزة لتقييم الاحتياجات، وأن تتصرف الولايات المتحدة بالالتفاف على الحصار عبر استعمال سفن وعبارات لمد الفلسطينيين بما يحتاجونه من أجل إعادة بناء مجتمعهم. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن كل هذا الجهد يمكن أن يتم تحت إشراف وكالات لأمم المتحدة وبالتنسيق معها، ما يضمن عدم استغلاله سياسياً من قبل "حماس" في الأخير. والواقع أن مثل هذه الالتفاتة الدراماتيكية يمكن أن تُحدث تأثيرا إيجابيا على العديد من المستويات. وإذا تم التعامل معها على نحو صحيح من قبل المفاوضين الأميركيين، فإن مثل هذه الالتفاتة الأميركية القوية التي تنم عن القوة والحزم، يمكن أن تفضي إلى تسريع الوحدة الفلسطينية وفق شروط مقبولة دوليا، والمساعدة على تعبيد الطريق لإنهاء الحصار وبدء مفاوضات السلام على أساس متين. غير أنه في حال غياب حدث يغير اللعبة على نحو إيجابي مثل هذا، فإني أخشى أنه حتى مع بدء المحادثات المباشرة، فإن تدهور الأوضاع في المنطقة يمكن أن ينسف أسس العملية في الأخير، ما يؤدي إلى مزيد من أعمال العنف والقمع وفقدان الأمل في قدرة إدارة أوباما على الإتيان بالتغيير الذي تحتاجه المنطقة أشد الاحتياج.