حتى الآن، أنفقت الولايات المتحدة الأميركية ما يربو على 300 مليون دولار على محاولاتها الفاشلة في العثور على أسلحة الدمار الشامل في العراق· ومؤخرا أمضى فريق مسوحات مكون من 1200 فرد من المفتشين تحت قيادة وكالة المخابرات المركزية الأميركية AIC، وبرئاسة ديفيد كاي المعروف بانحيازه لصقور واشنطن، الثلاثة أشهر الأخيرة في البحث المتواصل عن الأسلحة العراقية المحظورة، إلا أنه عاد أدراجه دون أن يعثر على أي منها· ومع ذلك فإن إدارة بوش تعتزم إنفاق مبلغ إضافي قيمته 600 مليون دولار على هذا المسعى العبثي· بالطبع فإن هذا إهدار فاضح ومخجل لأموال طائلة تقارب المليار دولار، كان ممكنا إنفاقها على نحو أفضل بكثير، مثل إعادة إعمار ما نجم عن الخراب الذي ألحقه الغزو الأميركي للعراق من جسور ومستشفيات ومدارس وطرق عامة ومصانع ومحطات لتوليد الطاقة وغيرها من المرافق العامة· لكن وبدلا من ذلك، فإنه يتم إنفاق هذه الأموال الطائلة على أغراض سياسية في مسعى يرمي إلى تبرير الغزو غير القانوني أوالشرعي على العراق، أملا في إنقاذ السمعة السياسية لكل من الرئيس جورج بوش وحليفه البريطاني توني بلير·
ولكن بدا الآن واضحا وضوح الشمس، أن العراق -ذلك البلد الذي دمرته الحروب وأفقرته ثلاثة عشر عاما من العقوبات الدولية الصارمة المفروضة عليه- لم يكن ليمثل تهديدا وشيكا لأمن أحد أيا كان، سيما لأمن الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا· كما اتضحت أيضا صحة ما ذهب إليه سكوت ريتر مفتش الأسلحة السابق منذ بضع سنوات، وتأكيده على أن قدرات العراق على تصنيع أسلحة الدمار الشامل قد تم تدميرها إلى حد كبير بواسطة عمليات التفتيش الدولي التي جرت خلال السنوات 1992-1998 دون أن يتم بناؤها مجددا منذ ذلك التاريخ· هذا وقد شرع الرأي العام يدرك الآن أن الحرب لم تشن بسبب الأسلحة العراقية المزعومة، التي ظلت دائما ذريعة واهية· فحتى بول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع الأميركي والمدافع الأكثر حماسا عن شن الحرب، اضطر إلى الاعتراف بأن بناء قرار شن الحرب على صدام حسين على مسألة أسلحة الدمار الشامل كمبرر رئيسي، كان قرارا أملته اعتبارات بيروقراطية على حد قوله· ويعني هذا أن أسلحة الدمار الشامل هي الشيء الوحيد الذي يمكن الإجماع عليه من قبل كافة أولئك العازمين على إسقاط نظام صدام حسين· كما أن مسألة أسلحة الدمار الشامل كانت سلعة يسهل بيعها وتسويقها للرأي العام الأميركي الذي لا يزال يعاني تأثيرات صدمة هجمات الحادي عشر من سبتمبر ·2001 ومن هنا خرجت كل تلك الدعاية الإعلامية التي تركزت حول قدرة الدول المارقة مثل العراق ومثيلاته، على نقل ما تملك من أسلحة دمار شامل لأيادي الجماعات الإرهابية، التي لن تتوانى عن شن هجمات أكثر ترويعا ودمارا من تلك التي شهدتها المدن الأميركية في سبتمبر ،2001 علما بأن السلاح المستخدم في هذه المرة هو من جنس أسلحة الدمار الشامل·
وكم كانت هذه السحابة الدخانية من الدعائية والأكاذيب ضرورية وملحة، نظرا للصعوبات العملية المحيطة بالإعلان عن الأسباب الحقيقية لشن الحرب· ذلك أن الدائرة التي تحكم وتسير الأمور في ظل إدارة بوش، إنما هي تحالف بين الإمبرياليين الأميركيين الجدد من أمثال ديك شيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد والعناصر المعبرة عن آيديولوجيا الولاء لإسرائيل من أمثال بول وولفوفيتز ودوجلاس فيث في وزارة الدفاع، وإليوت أبرامز في مجلس الأمن القومي، وريتشارد بيرل في مجلس السياسات الدفاعية، وغيرهم كثير ممن يشاطرونهم الرأي والتوجه· هذا ويرمي الامبرياليون الجدد لتأكيد الهيمنة الأميركية العالمية، في الوقت الذي يعمل فيه دعاة آيديولوجيا الولاء لإسرائيل على تأكيد الهيمنة الإقليمية لإسرائيل على المنطقة العربية· من هنا فإنه من الأهمية بمكان أن نذكر الدوافع الحقيقية للحرب من وجهة نظر هؤلاء، مثلما كانت قبل شن الحرب وإلى الآن·
أول هذه الدوافع: إزالة أي خطر أو تحد يمثله العراق أو أية قوة إقليمية غيره، على السيادة السياسية للولايات المتحدة الأميركية على احتياطات النفط الخليجي، التي تمثل موردا مهما بالنسبة لدول العالم الصناعي· وقد ظل هذا المطمح يعبر عن مصلحة أميركية حقيقية طوال العقود الثلاثة الأخيرة على الأقل· ولا شك أن السيطرة السياسية الأميركية على النفط الخليجي ستعطي أميركا امتيازات كبيرة على منافسيها الدوليين المحتملين مثل الصين ودول الاتحاد الأوروبي اللتين تتعطشان إلى النفط·
ثانيا: إضعاف العراق على نحو مستديم عن طريق إعادة تشكيله وصياغته في شكل دولة فيدرالية تفتقر إلى سلطة مركزية قوية وعاجزة عن ممارسة أي نفوذ خارج حدود أراضيها· وهذا هو المطلب الذي تقدمت به إسرائيل ودول أخرى·
ثالثا: تفكيك وتسريح الجيش العراقي وإغلاق الصناعات العسكرية العراقية بغية تحقيق الأهداف التالية: (أ) حماية وتعزيز التفوق العسكري الإسرائيلي، بما في ذلك حماية احتكارها الإقليمي لأسلحة الدمار الشامل· (ب) الحيلولة دون فتح جبهة شرقية عربية في ال