"الحاجة ليست من الدنيا"، والتاريخ في أحد أوجهه على الٍأقل قصة صراع طويل في سبيل إشباع الحاجات. وفي ظل الحصار الخانق والمحكم على قطاع غزة، براً وبحراً وجواً، صار السمك من الحاجات الأساسية التي زادتها الندرة غلاء على غلاء. وفي هذه السوق التي لم يبق بها إلا باعة قليلون، نرى شابين فلسطينيين يعرضان بضاعتهما من الأسماك الصغيرة، والتي يصل معظمها إلى هذه السوق مهرباً عبر الأنفاق بعد وضعه في أكياس من الجليد. وهي رحلة محفوفة بالمخاطر، وتزيد تكلفتها الباهظة من أسعار السمك في القطاع. وإلى ذلك فالحصار البحري الذي تفرضه إسرائيل، أحال صيادي غزة إلى البطالة الإجبارية، وحرم أهلها من الثروة السمكية في سواحل القطاع، فخلت تقريباً كل أسواقها وبيوتها من مادة السمك. ورغم قلة المعروض في هذه السوق من السمك، فلا زحام على شرائه. فـ"الزبائن" ينظرون برغبة ويستطلعون الأسعار بتردد. وبين الرغبة الاستهلاكية (الضرورة) والإمكانية المالية بون شاسع. فالقطاع الذي كان أحد أكثر مناطق فلسطين ازدهاراً اقتصادياً خلال العشريتين الأخيرتين، أحاله الحصار الخانق، ومعه الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة، إلى بؤرة للفقر والبطالة والبؤس! وفي ظل هذا الوضع أصبحت احتياجات أساسية كثيرة، ومنها الأسماك واللحوم والألبان، على قائمة كماليات الترفية غير المتاحة!