يشعر المتابع لسير المسألة الثقافية في أبوظبي أنها تمشي وفق خطة استراتيجية واضحة وربما كان هذا أحد الأسباب في أن تسرق أبوظبي الأضواء من دول عربية بعضها تسبقها في المسألة الثقافية تاريخياً بمراحل؛ فمع مرور كل سنة تتعزز المسألة الثقافية وتتعمق أكثر، حتى بدا أن أيام السنة كلها لا تخلو من مهرجانات ثقافية. الإمارات عموماً، وأبوظبي بصفة خاصة، استطاعت أن تجعل من الثقافة صورة حية خلال السنة كلها، وحرصت على أن تتم كل خطواتها الثقافية الناشئة بشكل مدروس بدقة حتى لا يتكرر قصور باقي الدول العربية الذي تسبب في حالة التراجع الثقافي العربي. خلال هذه الأيام تحتفل أبوظبي بصناعة الكتاب وتكريم المثقفين الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب، لكن المسألة ليست هذه كلها، بل الأهم أن أبوظبي التي أصبح اسمهما يتردد في المحافل الثقافية العالمية استطاعت أن تتجرد من العاطفة في اختيار المتقدمين للفوز بالجائزة واستثمرت الفائزين بها في مشروعات نهضوية للعرب تبني للمستقبل. المثقف العربي عموماً يجد في المسألة الثقافية الإماراتية أنها ثقافة عربية مرتبطة به وأنها مشروع إحياء للثقافة العربية التي تراجعت في التحصيل المعرفي والعلمي، وهي تعمل الآن على أن تجعل كسب الثقافة وتكريم المثقفين شاغلاً لها. كما أنها خططت لنشر الثقافة العربية لدى المواطن العربي بتشجيع الترجمة والتأليف، فكان إنتاج أبوظبي الثقافي خلال السنوات الخمس الماضية عبارة عن تفعيل ما يلزم من عملية إبداع أدبي، حتى صارت "سيرة أبوظبي" مرتبطة بالثقافة عالمياً. وإذا كانت هناك محطات ثقافية رئيسية تتم خلال أيام السنة في أبوظبي، كما نعيش هذه الأيام، حيث تم بالأمس افتتاح معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته العشرين، وكان قد سبقه انعقاد مؤتمر حقوق المؤلف، واليوم سيتم تكريم الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب -فإن هناك ما يجعل الإنسان في دولة الإمارات يحيي الحياة الثقافية على مدار السنة. الأمر يزداد وضوحاً إذا تذكرنا تلك المصداقية العالمية التي اكتسبتها أبوظبي في سعيها نحو الثقافة؛ فقد تم اختيارها من قبل المنظمة العالمية لحماية حقوق المؤلف لتكون مكاناً لتنظيم دورته السابعة وذلك بفضل محاربتها القرصنة الثقافية. ولا شك أن الأمر ليس مجرد مظهر أو شكل فقط، بل إن هناك تغيراً جوهرياً في طبيعة الثقافة عربياً أدى إلى تفرد أبوظبي واقعياً في كل شيء، حتى بات المثقفون العرب أنفسهم يتغنون بما يجري على أرض الإمارات من مسابقات ثقافية تتنافس فيها إمارات الدولة نفسها أكثر من غيرها. المسألة الثقافية في أبوظبي أوسع من مجرد صناعة الكتاب على أهميتها، بل هي أشمل مما يبدو ظاهراً أمام الجمهور؛ فهناك المتاحف العالمية والجامعات العريقة، وكذلك المعارض الثقافية المتتالية، واليوم بدأت تتسابق مع الدول المتقدمة وإن كان ميلها الأساسي باتجاه إحياء الثقافة العربية وتكريم مثقفيها. وبالتالي كانت أبوظبي خيار المثقفين عندما سجلت أعداداً كبيرة ممن شاركوا في مسابقة جائزة الشيخ زايد للكتاب أو الفوز بجائزة البوكر العربية. المعنى الذي تحمله أبوظبي من المسألة الثقافية أنه لابد أن يكون هناك اعتقاد راسخ بأن هناك إضافة جديدة للثقافة العربية ومثقفيها، وبشكل يخدم المواطنين العرب عموماً وألا يكون عصرنا الذهبي وراء ظهورنا فنظل نتغنى به، لكن المهم أن يكون المسعى الحقيقي هو المستقبل، فعلى هذا الأساس بنيت المجتمعات الغربية التي سبقتنا في "التقدم" المعرفي. محمد خلفان الصوافي sowafi@hotmail.com