رغم اهتمامنا بالتغير في السياسة الخارجية التركية، فإن ما يحدث في الداخل التركي هو الأهم، ليس فقط لأن السياسة الخارجية انعكاس له، لكن صراعات هذا الداخل تمس إشكاليات في صميم اهتمامات المجتمع العربي: سواء كانت العلمانية وجدلية الهوية الإسلامية أم دور الجيش في السياسة والمجتمع. يتصادف يوم نشر هذه المقالة هذا الأربعاء مع وصول وزير الخارجية التركي النشط، د. أحمد داود أوغلو، لزيارة الجامعة الأميركية بالقاهرة للحديث مع أساتذتها وطلبتها، كان من الممكن للوزير أن يذهب إلى جامعة القاهرة كما فعل أوباما منذ حوالي ثماني شهور، ولكن د. أوغلو يرغب في الحديث ليس فقط للمصريين أو العرب ولكن للأميركيين والأوروبيين أيضاً التي تعج بهم هذه الجامعة. قد تكون السياسة الخارجية التركية ونشاطها المتزايد خاصة على المستوى الإقليمي هو ما يلفت نظر المراقب العربي ويجذب اهتمامه، وهذا الاهتمام له ما يبرره تماماً، فالتغير الذي حدث في علاقات تركيا مثلاً من إلغاء تأشيرات الدخول مع سوريا، أو مشروع المنطقة التجارية الحرة أو التغير فيما يتعلق بإيران وعدم الموافقة على إدانة سياسة إيران النووية، أو إلغاء المناورات العسكرية المعتادة مع الجيش الإسرائيلي.. الخ، كل هذه الأمثلة وغيرها تؤكد أن شيئاً جديداً يحدث في تركيا وله تداعياته الإقليمية. وقد ذكرت في مقال سابق الحلقة النقاشية التي انعقدت في اسطنبول في شهر ديسمبر، وكان موضوعها التغيرات التي طرأت على السياسة الخارجية التركية، خاصة في المنطقة العربية وتداعيات هذا التغيير. ولكن في الواقع أن التغيير الأهم هو ما يحدث في الداخل التركي، وخاصة العلاقة بين حكومة حزب "العدالة والتنمية" ذات التوجه الإسلامي والجيش التركي الذي يعتبر نفسه حسب الدستور، ومنذ نشأة الجمهورية في سنة 1924 بقيادة أتاتورك، أنه الحامي والحارس الدائم على التوجه الداخلي التركي: أي العلمانية، هذا هو الصراع الأساسي الذي يضرب بجذوره في النظام التركي الحالي، ويتفوق على أي جدال آخر سواء فيما يتعلق بالمشكلة الكردية أو بالانضمام المحتمل لتركيا للاتحاد الأوروبي. ولكي نفهم مركزية هذا الصراع بين حكومة أردوغان وجنرالات الجيش، فيجب العودة إلى أيام أتاتورك ونظرته إلى تركيا الجديدة كبديل للإمبراطورية العثمانية التي تدهورت ثم هُزمت في الحرب العالمية الأولى... ودون أن يقول ذلك طرحه، ربط أتاتورك ومجموعته بين الدين الإسلامي والهزيمة، وبين العلمانية والتقدم. ولذلك كان من أول قراراته إلغاء نظام الخلافة الإسلامية، ثم تغيير حروف اللغة التركية من العربية إلى الأوروبية، واعتماد العلمانية ركيزة النظام التركي. واعتبر الجيش التركي نفسه ليس فقط مُنشئ الجمهورية التركية، بل أيضاً وأساس القائم على حمايتها وصيانتها، بل وأصر على أن تكون هذه المهمة جزءاً من دستور الجمهورية التركية. وهكذا أصبح الجيش التركي أهم الفاعلين في هذه الجمهورية ودائم التدخل في أحوالها، صراحة عن طريق الانقلابات والإحلال محل الحكومة المدنية، كما حدث في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، أو أن يقوم هذا الجيش بمهمته في تغيير الحكم دون الاستيلاء عليه، كما حدث مثلاً منذ 13 عاماً، أي في 27 فبراير 1997 عندما أرغم على الاستقالة التآلف الحكومي بقيادة أربكان، رئيس حزب "الرفاه" التركي ذي التوجه الإسلامي، والذي يخلفه الآن حزب "العدالة والتنمية" بقيادة أردوغان. الجيش يعتبر إذن هذا التوجه الإسلامي عودة إلى الوراء، وفي الواقع تهديدا لأمن تركيا القومي، وهو دائم لمراقبة الضباط المسلمين في صفوفه وحتى تسريح ما يعتقد أنهم متأسلمون زيادة عن اللازم، كما حدث في تسريح حوالي 162 من رجاله في سنة 1998، وكذلك 43 آخرين في سنة 2000. كما أنه دائم المراقبة على قنوات الراديو والتلفزيون، الصحف المكتوبة، منظمات المجتمع المدني، وكذلك الشركات، وبالطبع المدارس الإسلامية وعدد التلاميذ بها، فأجهزة الجيش تشعر بالقلق حالياً مع زيادة ما يسمونه "المدارس القرآنية"، وبما أن المد الإسلامي هو - حسب نظرة العسكريين هذه - تهديد للأساس العلماني للجمهورية التركية، فهو إذن تهديد لأمنها القومي. تدخل تركيا الآن مرحلة جديدة مع التحقيق مع بعض كبار رجال الجيش ونزع هيبة "الحاكم بأمر الله" واستمرار اعتقال حوالي 33 ضابطاً. فبدلاً من أن يكون الجيش الفاعل الأساس في الداخل، والذي في يده زمام المبادرة دائماً، أصبح الآن في موقف المساءلة. ويستعد حزب "العدالة والتنمية" للمرحلة القادمة، وهي مرحلة أهم مما يحدث الآن، ألا وهي مرحلة تعديل دستور سنة 1980 الذي تم إقراره في استفتاء شعبي في سنة 1982. لقد تم تعديل هذا الدستور بالفعل في عامي 2001 و2004، ولكن كان هدف هذين التعديلين تسهيل المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي. أما هدف التعديل الحالي فهو التعرض لأسس الجمهورية التركية نفسها: العلمانية ودور الجيش، ولكن كما عبرت عن قلقها الزميلة التركية القادمة من اسطنبول: "يجب ألا نذهب إلى النقيض الآخر ونجعل من تركيا إيران أخرى"... وسيستمر الصراع في الداخل التركي.