إن كثيراً من المحللين السياسيين الذين يرون أن القارة الأوروبية تستطيع ويجب أن تلعب دوراً أكثر فاعلية، وأن تكون لاعباً عالمياً على الساحة الدولية، ينظرون إلى دخول اتفاقية لشبونة حيز التنفيذ في نهاية عام 2008 على أنه خبر سار، وحدث يبعث على الأمل في انطلاقة جديدة لأوروبا المتعطلة منذ فشل اتفاقية الدستور الأوروبي في 2005. غير أن القارة العجوز سرعان ما وجدت نفسها أمام تحد مزدوج. فأولاً، هناك أزمة اقتصادية أثارت تكهنات حول مستقبل اليونان التي تواجه عجزاً خطيراً في الميزانية. إلا أنه علاوة على اليونان، فإن التكهنات طالت منطقة اليورو برمتها، وهو ما يستوجب ضرورة التضامن مع اليونان، لأنه في غياب ذلك، فإن العملة الأوروبية الموحدة "اليورو" ستفقد مصداقيتها كعملة دولية، علماً بأن أوروبا تستمد جزءاً من قوتها عبر هذه العملة، التي سرعان ما تحولت إلى ثاني عملة دولية. ومن وجهة النظر الاستراتيجية، فقد وضع رئيس الولايات المتحدة الأميركية، أوروبا أمام تحدٍ آخر عندما أعلن أنه لن يشارك في قمة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة المرتقبة نهاية أبريل المقبل في مدريد. وإذن، فهناك نوع من خيبة الأمل في أوروبا، وهي التي كانت سعيدة بالتخلص من بوش. ومما لا شك فيه أن ترفع أوباما وتعاليه عن المشاركة في (قمة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) المرتقبة يمثل صفعة للقارة العجوز، إلا أنه ينبغي التعاطي معه كتحد: صحيح أن أوروبا تشعر بأنه تم التخلي عنها نوعاً ما، إلا أنها هي التي عليها أن تنهض من جديد، وألا تنتظر دائماً أن يتم التعامل معها بشكل جيد من قبل الولايات المتحدة. وربما يتعلق الأمر هنا بفرصة أخرى للتشمير عن السواعد والشروع في العمل بجد. ذلك أنه إذا كان التحدي بالنسبة للاتحاد الأوروبي في عهد إدارة جورج بوش يتمثل في مقاومة ضغوط "المحافظين الجدد"، فالتحدي اليوم يكمن في هجرها والتخلي عنها. إلا أنه بين خطابات جورج بوش المتشددة وتخلي أوباما، توجد فرصة بالنسبة لأوروبا حتى تتحرك وتكون هي نفسها، وألا تنتظر دائما لمشاهدة النشرة الجوية لواشنطن من أجل التحرك واتخاذ قراراتها. وبخصوص الآمال التي أنعشها دخول اتفاقية لشبونة حيز التنفيذ والتعيينات التي تمت تبعاً لذلك، فإن الأشخاص الذين كانوا يعتقدون أن أوروبا ستتحدث بصوت واحد يجدون أنفسهم اليوم أمام مزيد من الأرقام الهاتفية مقارنةً مع السابق؛ حيث يمكن للمرء أن يتصل برئيس الاتحاد الأوروبي "فان رومبوي"، ورئيس الوزراء الإسباني ثاباتيرو، الذي تتولى بلاده حاليا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، ورئيس المفوضية الأوروبية خوسية مانويل باروسو، إلا أنه مابزال من الضروري الاتصال في الوقت نفسه بالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء البريطاني جوردون براون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيسة الدبلوماسية الأوروبية آشتون، إلخ. بل يمكن القول إن المرء في حاجة إلى دليل هاتفي بكامله من أجل الاتصال بأوروبا؛ وبالتالي، فالأمر يتعلق هنا بخيبة أمل كبيرة. وعلاوة على ذلك، فإنه مقارنة مع القوى الصاعدة - عودة روسيا، الصعود المستمر للصين، خروج اليابان من عقد مفقود واستئنافها التقدم إلى الأمام، بزوغ البرازيل والهند - إضافة إلى الولايات المتحدة، التي كانت بالأمس قوية جداً وغير شعبية جداً وأصبحت اليوم أقل قوة ربما، ولكن أكثر شعبية، تبدو أوروبا القارة الأقل دينامية، وهو ما يشكل تحدياً كبيرا بالنسبة للأوروبيين. وعلى سبيل المقارنة، فإن أفريقيا التي طالما تم هجرها والتخلي عنها تنطلق من جديد اليوم، وباتت تغازَل أكثر من قبل اليابانيين والصينيين والبرازيليين والأميركيين، وبشكل أقل من قبل الأوروبيين. وأميركا اللاتينية التي لم تعد قارة منقسمة بين أنظمة ديكتاتورية ومليشيات، وباتت قارة ديمقراطية تعيش طفرة اقتصادية. وحيث البدائل هي "اليسار" الشعبوي أو "اليسار" الاجتماعي الديمقراطي، ما عدا شيلي حيث يوجد العكس وفي الهندوراس أيضا. وعليه، يستطيع المرء أن يلاحظ أن بقية العالم لم تنتظرنا من أجل الانطلاق وأنها نشطة جدا. وربما تجدر الإشارة في هذا السياق إلى ما يقوله زبيجنيو بريجينسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي في عهد الرئيس جيمي كارتر، في كتابه مع برنت سكوكروفت، مستشار الأمن القومي الأميركي في عهد الرئيسين جيرالد فورد وجورج بوش الأب، "أميركا في مواجهة العالم": "إن كل البشرية باتت اليوم نشطة سياسياً". وهو أمر صحيح، إذ لم يعد ثمة سوى بلد شمولي واحد هو كوريا الشمالية، وكل ذلك يغيِّر كثيرا من المعطيات، ومعها الوضع الذي كانت تعيش عليه أوروبا. في عهد جورج بوش، كانت أوروبا تمثل العالم الغربي الظريف في مقابل ولايات متحدة شرسة؛ غير أنه مع أوباما، أصبحت الولايات المتحدة ظريفة من جديد، وهو ما يستوجب على أوروبا، إن هي كانت ترغب في أن تكون قطب قوة عالميا، أن تستحضر دروس وعبر الماضي. واللافت أن أوروبا تقدَّم في كثير من الأحيان كعملاق اقتصادي وقزم سياسي؛ ولكنها إذا كانت تريد الحفاظ على الوضع الأول، فعليها أن تدافع عن عملتها اليورو - فتعديل الثاني رهين بها أيضاً.