تخوض الولايات المتحدة في الوقت الراهن حرباً معلوماتية تشير كافة الدلائل أنها ستخسرها، والسبب في ذلك في غاية البساطة وهو: نظراً لأن أميركا هي الأمة الأكثر ربطا بشبكة الإنترنت في العالم، فإن ذلك يجعل الكثير من أهدافها ذات القيمة مكشوفا أمام الهجمات الإلكترونية. لكن ذلك لا يحول من دون القول إن دفاعاتنا المعلوماتية قاصرة إلى حد مؤسف أيضاً. والمشكلة لا تتعلق بالموارد وإنما تتمثل في عدم وجود استراتيجية متماسكة للتعامل مع التحديات التي تواجهنا في الفضاء الافتراضي الإلكتروني. فعلى الرغم من أن الاقتصاد الأميركي يمتد على مساحة شاسعة في الواقع المادي، فإن الجزء الأكبر من عملياته يتم عبر الواقع الافتراضي. فلو نجح العدو مثلاً في تخريب صفقاتنا المالية والمحاسبية، وأسواقنا للأوراق المالية، وتجارة التجزئة التي يقوم عليها اقتصادنا، أو حتى نجح في خلق نوع من الشك حول شرعية تلك الصفقات عن طريق الهجمات المعلوماتية، فإن المحصلة التي يمكن أن تنتج عن ذلك هي خلق حالة من الفوضى الشاملة وتعريض شبكات القوى الكهربائية، وأنظمة المواصلات الأرضية والجوية، والاتصالات السلكية، ونظام تنقية المياه لأخطار داهمة. والمعارك المعلوماتية ليست افتراضية، فقد تم مثلاً شن هجوم على "جوجل" في ديسمبر الماضي من مواقع في الصين، كما أعلنت شركة "نيت ويتنس" الأمنية أن ما يزيد عن 2500 شركة من الشركات التي تتعامل معها في مختلف أنحاء العالم قد تعرضت لهجوم متطور في العام 2008 استهدف المعلومات المتعلقة بحقوق الملكية المؤسساتية. وتمرين "سايبر شوك ويف" التشبيهي، الذي أُجري مؤخراً كشف عن الشيء الذي ظللنا طويلًا نخشاه وهو: إنه على الرغم من كافة تمارين "ألعاب الحرب" التي أجريناها، وكافة الوثائق الاستراتيجية التي كتبناها، فإن تلك الألعاب والوثائق كانت تركز على الحرب التقليدية في صورتها المعروفة ، ولكنها لم تتطرق لمعالجة أبسط المسائل في الحرب المعلوماتية. والسؤال هنا هو: ما هي الاستراتيجية الملائمة لهذا النوع البالغ الحداثة من الحروب؟ هل هي استراتيجية الردع مثل تلك التي كانت سائدة أيام الحرب الباردة... أم استراتيجية الاستباق الذي استلزمها عصر الإرهاب العالمي؟ الإجابة على هذا السؤال هي: الاثنان معا. ويتوقف ذلك على طبيعة التهديد، حيث يمكننا حشد جوانب من الاستراتيجيتين معا للدفاع عن أميركا في الفضاء الإلكتروني. خلال الحرب الباردة كان الردع يتوقف على أشياء نحتاج إلى تطبيقها الآن، مثلما طبقناها في تلك الآونة وهي: تحديد العدو (معرفة من سنحارب)، تحديد مكان الضربة (من أين ستأتي الضربة) تحديد نمط الرد(المقدرة على الرد حتى إذا ما تعرضنا للضربة الأولى) والشفافية (معرفة العدو بقدراتنا وإمكانياتنا ونياتنا التصدي لضربته باستخدام قوة ماحقة). السؤال كيف نطبق الردع في عصر الفضاء المعلوماتي؟ أولا يجب أن نعبر عن نيتنا. ويشار هنا إلى التصريح الذي أدلت به وزيرة الخارجية الأميركية الشهر الماضي لصحيفة الواشنطن بوست، والذي قالت فيه" إن الدول والأفراد الذين يتورطون في هجمات معلوماتية يجب أن يواجهوا بالإدانة والعقوبات. وفي عالم متصل بالإنترنت يصبح الهجوم على دولة ما هجوما على كافة الدول". وما قالته هيلاري يمثل خطوة واعدة، ولكنها لن تكون فعالة ما لم ندعمها بالسياسات الواقعية والاتفاقات القانونية الدولية، لتعريف القواعد والأعراف التي سيتم تطبيقها، والتعرف على العواقب التي يمكن أن تطال أي أحد يشن هجوماً تخريبياً في الفضاء الإلكتروني. الخطوة الثانية أن تعمل الولايات المتحدة على ترجمة النيات إلى قدرات، من خلال تطوير جهاز إنذار مبكر لمراقبة ورصد الفضاء الإلكتروني، والتعرف على التعديات والهجمات، وتحديد مصدرها، والحصول على الأدلة الكافية التي يمكن الاستعانة بها في دعم الخيارات الدبلوماسية، والعسكرية والقانونية التي سيتم اللجوء إليها - على أن يتم ذلك في أسرع وقت ممكن. بالطبع سيكون الردع سهلًا فيما لو كان الذي يقوم بهجوم إلكتروني دولة لها حكومة يمكن التعرف إليها، ولكن الأمر يغدو أكثر صعوبة عند التعامل مع الجماعات الإجرامية، أو المتطرفين الذين لا يمكن تعقبهم بسهولة، ناهيك عن ردعهم من خلال العقوبات والعمل العسكري. والردع وحده لا يكفي لأن هناك جماعات ومنظمات (كتنظيم القاعدة على سبيل المثال) لا يحركها الطمع، كما هو الحال مع الجماعات الإجرامية، كما لا تحركها الرغبة في تحقيق مزايا جيوبوليتيكية كما هو الحال مع بعض الدول التي لا تتورع عن شن هجمات إلكترونية لتحقيق هذه المزايا. من هنا يصبح الاستباق هو الخيار الأكثر مناسبة. ويمكن لنا استباق تلك الجماعات من خلال العمل على تجريدها من مصادر قوتها، واعتراض نشاطاتها على شبكة الإنترنت، وإقصاء قياداتها، وتحييد قدرتها على شن الهجمات المعلوماتية، وخلق فضاء معلوماتي أكثر مرونة يتمتع بالقدرة على امتصاص الهجمات والتعافي بسرعة بعد ذلك. هناك إجراءات وخطوات أخرى نحتاج إلى القيام بها مثل تكوين نوع من الإجماع على الطريقة المثلى التي يمكن بها تنظيم عمل المنظمات والوكالات الأمنية، وتكوين شراكة مع المؤسسات والمنظمات ذات الاهتمام المماثل في القطاع الخاص. وسنكون قبل ذلك بحاجة إلى حوار بين قطاع الأعمال، والحكومة، والمجتمع المدني، لمعرفة ورصد التحديات التي نواجهها في الفضاء المعلوماتي ومن أهمها تلك المتعلقة بالقانون الدولي، وقوانين الخصوصية، والحريات المدنية، والأمن، وبنية شبكة الإنترنت ذاتها. لقد تمكنا من تحقيق السيادة أثناء الحرب الباردة عن طريق القيادة، والسياسات السليمة، والتحالفات المتينة، والتكامل الوثيق بين جهودنا الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، ودعمنا ذلك كله باستثمارات كثيفة لمعرفتنا الأكيدة بأن الأمن لا يتحقق بسعر رخيص. فدعونا نفعل نفس الشيء الآن في عصر الأمن المعلوماتي بعد أن تأخرنا كثيرا عن ذلك. مايك ماكونيل مدير وكالة الأمن القومي في إدارة كلينتون ينشر بترتيب مع خدمة "واشنطن بوست"