طالما أن الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح من المواقع المقدسة المشتركة، فإن في التقاء الديانات فيهما رسالة طيبة من التاريخ. ولعل تلك الرسالة هي بعض رمزي قليل مما يعنيه الشرق بصفته مصدر الديانات الثلاث بروعتها وقوة التغيير الذي أحدثته في حياة العالم، لكن أيضاً بنزاعاتها. لكن الصمود المشترك في هذين المعلمين البارزين كان دلالة على أن ما يبقى من أصالة الإيمان، ومن الحكمة، أكثر أهمية مما تخلفه الحروب والعقول المهووسة بالتدمير. ظن نتنياهو وزمرة المتطرفين والآخرون من الساكتين على الخطأ من وزرائه، أنه إذا تفوَّه ببعض الكلام المنمق عن صون التراث والمعرفة سيتمكن من تغطية عملية سطو على مقدسات لا يحق له ولا لغيره أن يتصرف بها. وقد جرى الأمر في تلك الجلسة لما يسمى "حكومة" إسرائيلية على نحو لا يختلف كثيراً عن أي اجتماع لأيٍ من عصابات الجريمة المنظمة. وهي ليست الأولى من نوعها في أي حال، إذ أن الوصف الذي قدمته صحف إسرائيلية لاجتماعات حكومية سابقة، خصصت لدرس خرائط انسحابات من الأراضي الفلسطينية المحتلة، كان بالغ الوضوح. فالخريطة الرسمية المعترف بها دولياً لا تلبث أن تتقلص وتتغير بوتيرة نهش منهجي لا يمكن أن يكون بفعل كائنات بشرية وإنما بفعل ذئاب مسعورة. فالعسكريون لهم حصة، والاستخباريون كذلك، والمستوطنون أيضاً، ولهذا الوزير وذاك مصالح في مناطق تهمه ولا يريد أن تهبط أسعار أراضيها إذا باتت متاخمة لمناطق تعاد إلى الفلسطينيين. هو التكالب نفسه حصل لدى درس قائمة المواقع الأثرية والدينية التي ستعتبر إسرائيلية يهودية، وستخضع بالتالي للهضم والسيطرة بقوة الاحتلال. لم يكن الحرم والمسجد في القائمة، لكن نتنياهو رضخ لإلحاح غلاة التعصب الذين أوعز إليهم مسبقاً أن يضغطوا عليه ضامناً لهم موافقته بعد شيء من التمنع الذي يظهره مكبل اليدين بائتلافه الحكومي. فهو موافق دائماً على رغبات المتطرفين ونزواتهم، لأنه واحد منهم، إلا أن اللعبة تتطلب أن يبقى هو في موقع ملتبس صوناً لمنصب رئاسة الحكومة. لكن المسألة لا تتعلق فعلاً باحترام مواقع مقدسة أو بالرغبة الدينية البحتة في اكتساب امتياز رعايتها، بل إنه الاحتلال تتضخم غرائزه فلا يعود يحتمل وجود شيء خارج وطأته، أو قل سيادته. لابد أن هناك مخططاً باطنياً قيد التنفيذ، مع التوافق على عدم التصريح به، قوامه الحصول قريباً وسريعاً على أقصى مقدار من التهويد، دعماً لـ"يهودية الدولة". إذ لا انفصام بين الشعارات عند "الليكود" والمتعصبين الذين هم على يمينه. وإذا راعت الحكومة شيئاً من التحفظ في كشف الأهداف، فإنها لا تردع ميليشيات المستوطنات والأحزاب الدينية عن التعرض لمقدسات المسلمين والمسيحيين وترهيبها، فهي تسعى إلى سيطرة مئة في المئة على القدس من دون تمييز بين ما هو مشترك وما هو غير يهودي. وهكذا فإن إسرائيل باتت تستوحي إدارتها للمناطق المحتلة من تجارب القرون الوسطى وأحطَّ عصور الانحطاط، بعدما استرشدت في فرض وجودها بأسوأ نماذج من العصور الغابرة. وهي تفعل ذلك بالاستناد إلى ما انتزعته من وعود وضمانات وتعهدات قدمتها إدارات الولايات المتحدة من دون النظر في ترتباتها وعواقبها. بل إن إسرائيل آخذة في التجبّر مدفوعة بسياق ابتزازها للمجتمع الدولي الباحث عن حل سلمي مع إيران. وبالطبع هناك المنحى الاستفزازي للعالمين العربي والإسلامي، بل منحى استدراج الفلسطينيين إلى مواجهة عنيفة باتت معروفة النتائج قياساً إلى سوابقها التدميرية خلال الأعوام القليلة الماضية. ليس نتنياهو أو ليبرمان أو باراك من سيردعه التحذير من حرب دينية، فهؤلاء يبحثون أولاً عن حرب يهربون فيها من مأزق الاعتراف بما هو حق دولي وقوانين وأعراف إنسانية. لم يعد لديهم أي بقية من حسّ حضاري يمكن التعويل عليه لإبقاء البعد الديني بمنأى عن التجاذب، أو على الأقل استخدامه لبناء سلام حقيقي وحضاري. فعندما تتشارك الأديان في بيوت العبادة تكون رسالة التاريخ أكثر بلاغة من غرائز الحاضر رغم العصرنة والعولمة والتحضر التي يدعيها.