يواجه كل من الصندوق والبنك الدوليين صعوبات شتى في سعيهما لأداء وظائفهما وتحقيق أهدافهما· وعلى رغم أن صندوق النقد الدولي قد سعى في السنوات الأخيرة إلى تحسين استراتيجية إعفاء بعض الدول المدينة من ديونها، إلا أن هناك بعض الدول التي ما زالت ملتزمةً بدفع مبالغ طائلة قد تصل إلى أكثر من ثلاثة أرباع مواردها المالية مثل حالة (مولدوفيا)، وذلك لخدمة الدين العام الخارجي. فالديون العامة الخارجية كبيرة ومتنامية ومتجددة، أما استراتيجية الإعفاءات النسبية فهي بلا شك تخفف من حدة آثارها السلبية، ولكنها قطعاً لا يمكن أن تحل لوحدها مشاكل الدول النامية المزمنة وتخرجها من الحلقة المفرغة للفقر وتخلق لها تنمية اقتصادية حقيقية· فلا بد من وجود برامج وسياسات اقتصادية إصلاحية أخرى مدعمة ومعضدة لاستراتيجية الإعفاءات النسبية من الديون·
وفي سعيه لخلق إصلاحات جديدة في النظام المالي العالمي اقترح صندوق النقد الدولي، قبل ست سنوات خلت، إجراء تعديلات على ميثاقه بغرض إدخال شرط أساسي لمطالبة الدول الأعضاء بتحرير أسواقها المالية· حيث يعتقد الصندوق بأن عملية تحرير أسواق المال في الدول الأعضاء سوف تؤدي إلى تعزيز النمو الاقتصادي والاستقرار وربما تخدم الدول النامية الفقيرة والمدينة وتخرجها نسبياً من الظروف الاقتصادية السيئة التي تعاني منها· وبالطبع لقي ذلك الاقتراح تأييداً ومعارضةً في ذات الوقت· فإلى أي مدى كان ذلك الاقتراح صائباً؟
يرى الاقتصاديون المؤيدون لتحرير أسواق المال أن هذا الرأي من الممكن جداً تعزيزه بحجج علمية وواقعية، حيث يرون أنه بالفعل سوف يؤدي إلى تحسين معدلات النمو الاقتصادي وخلق استقرار اقتصادي في الدول النامية والفقيرة· وأن تلك الحجج يمكن إيضاحها بالآتي:
(1) يندرج تحرير أسواق المال العالمية، بل إنه يتجانس بالفعل مع سياق مبادئ وقواعد وبروتوكولات وأهداف منظمة التجارة العالمية التي تدعو إلى تحرير التجارة العالمية وتحرير عناصر الإنتاج·التي يعتبر رأس المال عنصراً أساسياً منها· وبالتالي فإن تحريره سوف يؤدي بالفعل إلى تدعيم معدلات النمو الاقتصادي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي· فالتنمية الاقتصادية لا يمكن أن تقوم بدون عنصر رأس المال بصورته العينية والنقدية معاً· وكذلك الاستقرار الاقتصادي لا يمكن تحقيقه دون تحقيق معدلات جيدة من التنمية الاقتصادية الحقيقية·
(2) أن عملية تحرير أسواق المال العالمية تعني التقليل التدريجي من تدخل الدولة في أسواق المال· وفي الوقت ذاته ترك آلية السوق وقوى العرض والطلب تزداد فاعليتها تدريجياً حتى تصبح هي المحرك الحقيقي لرؤوس الأموال في الأسواق العالمية، ومن ثم فهي المحرك الفعلي لأسعار الفوائد المصرفية وكذلك أسعار صرف العملات·
(3) أن عملية تحرير أسواق المال وتقليل دور الدولة في سوق المال لا تعني إطلاقاً إلغاء دور الدولة نهائياً في سوق المال· فالدولة هي التي ستضع النظام الاقتصادي، ومن ثم النظام المالي والنقدي والمصرفي، وتضع قواعده وتشريعاته وضوابطه القانونية اللازمة، وهي التي ستشرف عليه وتراقبه وتتابع ممارساته وأنشطته فتدعم الصالح منها وتقوم الطالح· وبالتالي فإن سلطة المصرف المركزي وسلطة وزارة المالية تبقى قائمة ومستمرة· بل إن أهداف ووظائف ومسؤوليات الدولة قد تزداد مع تحرير أسواق المال، وذلك من منطلق تداخلها مع أسواق المال العالمية·
(4) أن تحرير أسواق المال العالمية يساعد على خلق التجانس النسبي في الأنظمة المالية والنقدية والمصرفية المختلفة، ومن ثم يساعد على خلق التجانس النسبي في النظام المالي العالمي، خاصةً، إذا علمنا أن أغلب احتياطيات العالم اليوم من العملة الصعبة هي بالدولار الأميركي·
(5) لا يمكن للدول النامية المدينة والفقيرة أن تخرج من الحلقة المفرغة للفقر وأن تحقق معدلات نمو اقتصادي جيدة دون تحرير أسواق مالها وخلق جو من المنافسة في أسواق المال وإتاحة الفرصة للمستثمر الأجنبي (أي لرأس المال الأجنبي) لكي يساهم مساهمة فاعلة في التنمية الاقتصادية · حيث إن عرض رأس المال المتاح محلياً أثبت عجزه بالفعل عن خلق معدلات نمو حقيقية لهذه الدول·
(6) أن تحرير أسواق المال العالمية من شأنه أن يوسع قاعدة العرض (عرض رأس المال بكافة صوره وأشكاله بما في ذلك النقود)، وكذلك قاعدة الطلب· وبالتالي يزيد من حدة المنافسة في سوق المال والتي من شأنها أن تؤدي إلى نمو وتحسن مستوى الأداء الاقتصادي بشكل عام·
(7) أن تحرير أسواق المال من شأنه أن يدعم وينمي خبرات الدول النامية في إدارة الأموال، ويتيح لها الفرصة للاستفادة من خبرات الدول المتقدمة في هذا المجال· ومن شأنه كذلك أن ينمي الأنظمة المالية والنقدية والمصرفية في البلدان النامية·
(8) أن تحرير أسواق المال المدعم بدور الدولة الفعلي في ضبط السوق ومراقبته ومتابعة ما يجري بداخله لن تكون له آثار سلبية تذكر· فها هما الصين والهند واللتان كانتا تتبعان تحريراً نسبياً لأسواقهما المالية قد حققتا معدلات نمو