في أقل من عشرة أيام من فبراير 2010، شهدت كل من جمهوريتي نيجيريا والنيجر تطورات مثيرة، قد يكون قد اعتادها الغرب الأفريقي، لشهرة الأولى بتجربتها العسكرية والديمقراطية، وشهرة الثانية بانقلاباتها، وثروتها من اليورانيوم، مادة الدمار الشامل! من هنا بدا الحدثان في الدولتين وهما المتعلقان بتغييرات جذرية في السلطة- وكأنهما متوقعان، وإن كانا موحيين باحتمالات خطيرة. في نيجيريا، حسم البرلمان أزمة غياب الرئيس "عمرو يارادوا" للعلاج بالسعودية من مرض خطير يمنعه من العودة القريبة لممارسة السلطة الرئاسية منذ أكثر من شهرين، دون تنازل رسمي عن سلطاته، حتى اضطرت الجمعية الوطنية، بمجلسيها أن تقرر قيام نائب الرئيس "جودلك جوناثان" بمهام الرئاسة في خطوة يشك البعض في أساسها الدستوري، لأن الرئيس لم يكتب بذلك صراحة لرئاسة البرلمان، التي اكتفت بحديثه الإذاعي! والخطوة الدستورية هنا، كشفت عن تدارك النخبة السياسية والعسكرية معا لأثر غياب الرئيس، واحتمال أن يؤدي ذلك لإغراء بعض الأجنحة العسكرية للتحرك نحو السلطة، فضلًا عن أن الواقع هو في تحرك "أجنحة مدنية" للاحتجاج، أو محاصرة السلطة نفسها. وجاء ذلك فعلاً من أبناء شرق نيجيريا الذين يطمحون أن يتولى "جوناثان" نائب الرئيس سلطات الرئيس تمهيداً لنقل السلطة في انتخابات 2011 إلى أحد أبناء الشرق (قبائل الإيبو وتابعيها). لكن الرئيس الغائب كان قد جاء نتيجة مساومة معروفة، أو قل لعبة سياسية كبيرة رتبها الجنرال "أوبا سانجو"، ابن "الغرب النيجيري"، و"الغرب" العالمي في البلاد، وهم أبناء "الشمال" (الهوسا والفولانية) مع أبناء الغرب (اليوروبا). وهو تحالف تأكد في العقدين الأخيرين لتستقر به السلطة في البلاد على أساس تحالف سلطوي أهم بين المدنيين والعسكريين. وهو تحالف قدم نيجيريا طوال هذه السنوات الأخيرة كتجربة ديمقراطية مستقرة، تضمن بها مختلف القوى الدولية مصالحها في مناطق البترول والماس والذهب واليورانيوم على نحو ما بدا في الدور النيجيرى الإقليمي في سيراليون وليبيريا وساحل العاج...الخ. ولقد أثبتت نيجيريا جدارتها كقوة إقليمية وقارية، ووقفت بجدارة نسبية أمام أو مع أدوار أخرى لجنوب أفريقيا وأثيوبيا وليبيا. لكن حالة الاستقرار هذه، لا تبدو الآن مؤكدة، فالإقليم الشرقي له مطامح في السلطة كان "أوباسانجو" قد تجاهلها بمنحهم منصب "النائب" فقط، وهم مالكو مناطق البترول، بل وقوى التمرد في دلتا النيجر البترولية، وبينهم عسكر ومثقفون وصاحب جائزة نوبل، وآن الأوان لإعداد الموقف ليحصلوا على ناتج جديد في انتخابات 2011! لكن "الشمال" النيجيرى الذي أيد حزب "الشعب الديمقراطي" بقيادة "أوباسانجو" رغم قوة الأحزاب الشمالية، بعسكرها وأمرائها وإسلامها بات يخشى أن يلعب "أوباسانجو" هذه المرة مع أبناء الشرق، ولذا سارع وزراء الشمال في مجلس الوزراء لمحاصرة قرار نقل السلطة، وقدموا قياداتهم العسكرية "جوان" والمدنية "شجارى" لينصحوا" الحاكم المؤقت" بالتروي، بل وتحرك بعض الضباط ممن يعرفون "بالأتراك الشبان"، ليقولوا إنهم "قوى الحداثة" التي ترشح نفسها عن "الشمال التقليدي" لوراثة السلطة، وفي ذلك بالطبع تهديد بالانقلاب، أو تمهيد لانتخابات 2011! بقي القول إن أياً من هذه القوى لا تريد أن تقدم نيجيريا نفسها في هذه الفترة باعتبارها "الرجل المريض" في المنطقة بعد أن كانت قيادتها الإقليمية هي التي تفرض "الحكم المدني الديمقراطي" على المناطق المضطربة في المنطقة. كما أن المصالح المالية الكبرى في نيجيريا، وفي دوائر العولمة القريبة، يمكن القول إن "النظام العالمي" يستطيع أن يحمي قواعده من هزات الاضطراب. وتبدو إشارة السفارة الأميركية في أبوجا بالرضا عن التطور السلمي في نيجيريا ذات دلالة في هذا الصدد. ويرى كثير من المعلقين أن "النظام الرأسمالي" قد استقر نسبياً في نيجيريا، بدرجة تحمي أوضاعها من شرور التوازنات "القبلية" و"الجهوية"، أو العرقية والثقافوية الجغرافية... وهو ما سيظل موضع الترقب أو الاختبار تجاه مدى استقرار أو اضطراب الوضع في هذه الكتلة الكبرى... أما في النيجر، فيبدو أنه لفقر حالها من مثل هذه العناصر الحاكمة في نيجيريا، فإن النخبة الحاكمة لم تستطع ترتيب إجابتها على الأزمة إلا بالضربة القاضية... الانقلاب! ونتحدث هنا عن "الأزمة الديمقراطية" فعلاً، لأن هذا البلد كان من أشهر أقاليم الغرب الأفريقي الذي طرح تجربة "المؤتمر الشعبي الوطني" أوائل التسعينيات من القرن الماضي ضد الانقلابات العسكرية التي سادت لحوالى العقدين، متساوقاً مع تجارب بنين ومالي وغانا وبوركينا فاسو. وكان آخر مظاهر استقراره عام 1999 حينما استقرت السلطة بتوافق العسكر الوطنيين، والقيادات الشبابية السابق قيادتها للتطور الديمقراطي، فجاءت مجموعة "تنجا" على رأس حركة تنمية المجتمع والمؤتمر الديمقراطي الاجتماعي وخمسة أحزاب سياسية صغرى لتقود البلاد إلى قدر من الاستقرار، تسنده ثروة غير مقدرة من "اليورانيوم" في ترابها، بل وآمال في ثروة البترول امتداد لبحيرته التي تشمل الجزء الأكبر من صحاري دارفور حتى صحاري موريتانيا! لكن سعي القوى الخارجية الحثيث إلى مثل هذه المناطق، يجعل اليد الأجنبية هي العليا، ويجعل أطماع "القيادات" الطموحة متطلعة إلى المكانة التي تسندها هذه المصالح. فها هي استثمارات مناجم اليورانيوم الكبرى في يد شركات فرنسية، (أريفا) بينما تزاحمها الكندية والأميركية للوصول إليها، وتسارع الصين بمشروعات التنقيب عن البترول التي بلغت خمسة مليارات دولار لهذا الغرض في السنوات الثلاث القادمة. وها هي الولايات المتحدة تغري القيادة "تنجا" بإدخال النيجر ضمن "مبادرة الساحل" العسكرية التي تعتبر قاعدة لمشروع القيادة العسكرية لأفريقيا- "الأفريكوم". وبدلاً من أن يؤدي كل ذلك للاستقرار بتوافق عسكري مدني لإدارة التنافسات أو الصراعات الخارجية هذه، يتحول الموقف ليثير الصراع الداخلي ومطامح نخبة "تنجا العسكرية" للانفراد بالسلطة، فيلغي خلال عام 2009 البرلمان ويزور استفتاء لمد رئاسته، ويلغي المحكمة الدستورية العليا! وهنا تشعر النخب المحيطة بمخاطر هذا التفرد بالسلطان، فتقدم بعض عناصرها للقيام بالانقلاب.. ورغم أن بعض عناصر هذا الانقلاب ذات صلات بقوى ديمقراطية قائمة، فإن استقرار الأمور غير وارد بسهولة، ما لم يتدخل "النظام العالمي" لحماية "النظام" في الإقليم، برفض الاتحاد الأفريقي، ومنظمة "الإيكواس" بغرب أفريقيا للانقلابية، لتدفع عناصر الاستقرار بعد الفترة الزمنية التقليدية للانقلابات من "الانتقالية"، و"الانتخابية"... الخ. ولا ننسى أن الأميركيين لا يقلقهم فقط وصول الصين على نطاق واسع لمناطق البترول في النيجر، وإنما يقلقهم أيضاً وصول التطرف لهذه المنطقة التي تحمي دروبها الصحراوية عناصر "الطوارق"، وجماعات "إرهابية" سبق تحركها في المنطقة، وتهدد بالاتجار في اليورانيوم الأفريقي بمثل تجارة المخدرات وسط آسيا بما لا يتيح فرصة الاستقرار بأي حال...