تنتشر روائح الفساد، تزكم المجالس نتانتها، عندما يستباح المال العام وتنتهك أخلاقيات المنصب العام تصبح المساءلة ضرورة ملحة والبحث عن أسباب الفساد أكثر إلحاحاً، فهل الفساد فساد بنيوي؟ هل الفساد فعل طارئ لمسؤول؟ أم أن بيئة الفساد أثمرت فضائح وقصص رشى هنا وهناك، وهل يعاني المجتمع من قصور في النظم القانونية والمحاسبية؟ أسئلة لابد وأن تثار عند الحديث عن ثنائية الفساد والمنصب العام. إنها ثنائية الثروة والسلطة أو المال والجاه كما تحدث عنها ابن خلدون. لقد ظلت "مقدمة" ابن خلدون، وهي الجزء الأول من مؤلفه "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" منذ إعادة اكتشافها في القرن التاسع عشر الميلادي وحتى يومنا هذا من أهم الدراسات في الاجتماع السياسي، ولا زالت "المقدمة" تقدم إجابات وافية لمسائل ومشاكل شديدة الارتباط بالواقع العربي المعاصر. ومن المواضيع التي تناولها ابن خلدون العلاقة الوثيقة بين المال والجاه في المجتمع الحضري أي بلغتنا المعاصرة العلاقة بين المنصب العام وريع المنصب من مال وخدمات تؤسس للفساد. فقد أفرد ابن خلدون الفصل الخامس المعنون بـ"في أن الجاه مفيدٌ للمال" لهذا الموضوع، فيقر بـ" أنَّا نجد صاحب المال والحظوة في جميع أصناف المعاش أكثر يساراً وثروة من فاقد الجاه‏.‏ والسبب في ذلك أن صاحب الجاه مخدوم بالأعمال يُتقرَّب بها إليه في سبيل التزلف والحاجة إلى جاهه‏"، فيكتسب أصحاب المناصب الرفيعة النفوذ الإداري في الأجهزة أوضاعاً تسمح لهم بالحصول على المنافع المادية وتوسيع ثرواتهم إن كانوا من أصحاب الثروات قبل الحصول على المنصب، أو خلق ثروات طائلة من مناصبهم، أي بلغة أهل القانون "التكسب عن طريق المنصب" وبذلك يعتبر ابن خلدون "الجاه" أو المنصب أهم مصدر لجمع المال والثروة وتنميته فيفصل في ذلك مستطرداً: "‏فالناس معينون له بأعمالهم في جميع حاجاته من ضروري أو حاجي أو كمالي فتحصل قيم تلك الأعمال كلها من كسبه‏.‏ وجميع ما شأنه أن تبذل فيه الأعواض من العمل يستعمل فيها الناس من غير عوض فتتوفر قيم تلك الأعمال عليه" فالجاه المفيد للمال هو الذي يلعب الدور الحاسم في مجمل عملية التفاوت الاجتماعي، بل ويحدد شكلها وطابعها الخاص، فالوسائل الطبيعية لكسب المعاش لا يمكن أن توفر لصاحبها المال والثروة، أو تمكنه من الحفاظ عليه وتنميته بدون الجاه والسلطة. أما فئة التجار من أصحاب الثروات فلا تنمو تجارتهم إلا بمقدار سعيهم وكدهم، لكن "أهل الجاه منهم يكونون أيسر بكثير‏". ويقر ابن خلدون بأن كسب المعاش عن طريق الجاه أو المنصب أو السلطة يعتبر أسلوباً غير طبيعي في كسب المعاش، إلا أنه وبكل واقعية الأسلوب الأضمن لكسب المال وتنمية الثروات في المجتمع الحضري، وبذلك تنشأ ثنائية أصحاب الجاه ومن لا جاهَ لهم، فتتعمق حالة التفاوت والانقسام الاجتماعي. ‏ لقد شخص ابن خلدون في فصله هذا واقعاً معاصراً فالمناصب تجلب المنافع وما لم تكن هناك مراقبة ومحاسبة فاعلة ستتضخم الثروات فهي "ريع المنصب"، وحين تتركز السلطة في الحزب الواحد أو الفرد وحين يصبح الحد الفاصل بين المال الخاص والمال العام ضبابياً يصبح الفساد واقعاً.