كان خالي عشائرياً من قبيلة معروفة، وكان يصحبني معه إلى "الهوسات"، وهي اجتماع للاحتفال والغناء القبلي. لم أكن أفهم شيئاً مما يقولون سوى كلمة عبد الرزاق آمر بيها (أي الوحيد المتنفذ الذي له الأمر والطاعة). كان يسمع الغناء ويطرب إلى أقصى ما يمكن تخيله. وممن حولي كان يوجد رجل فاضل، غني ومثقف، أراد التقدم للزواج من فتاة فرفض أهلها على أساس أنه ليس من طبقات القوم العلية! وأنا شخصياً رجل كسبت الجنسية الكندية بعد ثلاث سنين فقط من العيش هناك، لكني لا أطمح لنيلها في بلد عربي حتى ولو أقمت فيه أكثر من ربع قرن، وقدمت طلباً لنيلها وحققت كل شروط الحصول عليها! يحدث ذلك بالنسبة لأي مواطن عربي في بلد عربي آخر؛ إخوانك في الدين واللغة والتاريخ، الذين تصلي معهم الخمس، وتستقبل نفس القبلة، وتنطق بنفس اللسان... لا يعطونك الجنسية ولو بقيت نصف قرن بين ظهرانيهم. إنها الحقيقة المرة التي يعرفها الجميع! وذات مرة كنت بين الشراكسة في معرض دمشق، ولأنني صهر لهم فقد أكرموني بمقعد بينهم، وهم قوم كرام، وسمعت مغنياً متحمساً لم أستسغ حنجرته، ولا صوته المرتفع بـ160 ديسبل، بما يخدش صيوان الأذن، ويثقب غشاء الطبل، ويفرقع عظيمات السمع... فلحظت من حولي رجلا يحمر وجهه وينتفخ مثل ديك حبش، وأنا متعجب سألت: ما الخبر، وما سر حماسه المتدفق؟ وماذا يقول هذا المغني؟ بالطبع أنا لا أفقه كلمة مما يقول. فأجابوني: يصيح ويزعق ويحمد الله أن جعله شركسيا! قلت في نفسي مكررا قول والدتي: وأنت أيها المسكين ما بالك في نادي القوم مُنكَراً، غضبُ الله نزل عليك ثلاث مرات: لست شركسيا، ولست قبليا، ولست سليل عائلة عظيمة، بل ولدت من بطن امرأة تأكل القديد وتخبز "الكليجا" ليوم العيد! وهكذا فكل قوم بما لديهم فرحون، مفتخرون بأنهم خير من أخرجت البرية! نعم يعتقدون ذلك، رغم حقيقة أننا كلنا لآدم وآدم من تراب. ومن أعجب ما سمعت، أن امرأة فصلت عن زوجها لأنه ليس من قبيلة نبيلة. قلت: خالص، أنت لست قبلياً بالتأكيد، ودمك ليس نبيلا بالتأكيد، بل أنت من ملح الأرض... وطوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض. واليوم كنت أقرأ في سورة الأحزاب عن قصة زيد وزواجه من زينب بنت جحش، وكيف أن آيات كاملة نزلت لتحدد العلاقات الإنسانية. إن كل امرئ بما كسب رهين، يرجع من حيث خرج، والكل سواسية، وختمت النبوة على ذلك. والواقع أن أمراض العالم العربي أكثر من رمل الصحراء الكبرى. فالحزبي والطائفي في بلد "جملوكي" إذا وقف في طابور الخبز أو الدوائر الحكومية، يجب أن يسبق الجميع، ويتقدم الصفوف فوق الرفوف. وابن المسؤول من طينة أخرى. أما ابن الزعيم فهو لا يكون هناك أصلا. بينما يدخل رئيس الفرع الأمني، من مباحث في خانة من لا يُسأل عما يفعل! إنها الحقيقة المرة التي يعرفها الجميع! وإلى أن يولد المجتمع الإنساني المعافى، الذي يُسمى صدقاً وعدلا المجتمع الإسلامي، فسوف نرى صوراً وصنوفاً كثيرة من اللاسوية واللامنطق... أي أعراض المجتمع العربي تحديداً وأمراضه؛ "ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون"!