ما كان مفاجئاً في الأيام الأخيرة صدور تصريحاتٍ أميركية وشرق أوسطية تنفي نية جورج ميتشل، مبعوث الرئيس أوباما إلى الشرق الأوسط، في الاستقالة. فَصَحيح أنّ الرجل قليل الكلام والتصريحات؛ لكنّ أوساط الرئاسة الأميركية، وأوساط وزارة الخارجية، قالت إنّه يوشك أن يصل إلى خاتمة مطافه. فقد زار كلَّ أحد، وجرَّب كلَّ فكرة، وبحث عن أيّ مخرج، ثم قدَّم في النصف الثاني من عام 2009 أفكاراً تُراعي مصالح ومطالب الطرفين لمُعاودة التفاوُض على خريطة الطريق القديمة. وما كان نتنياهو مستعداً للأمرين: تحديد هدف التفاوض بأنه إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود عام 1967، ومناقشة قضايا الوضع النهائي التي حددتْها خريطة الطريق؛ ومن ضمنها الحدود النهائية والقدس واللاجئون. وفي هذا الوقت (بين شهري يونيو وأغسطس من العام الفائت) تصاعدت شكاوى اليمين الإسرائيلي، واللوبيات الإسرائيلية بالولايات المتحدة، من ميتشل وأفكاره. وربما بسبب التخوف من تلك الأفكار، آثرت واشنطن طَيَّ صفحة الماضي المتصلة بخريطة الطريق، والاتّجاه إلى إصدار مبادرة يعلنُ عنها أوباما في سبتمبر 2009. وبانتظار ذاك الأمر الذي تأجَّل ثم تأجل ثم تأجَّل حتى الآن، اتبع كلٌّ من أوباما وميتشل وهيلاري دبلوماسية الصدمات، مثل الإصرار على جَمْع نتنياهو وعباس، أو الإصرار على أن يُعلن نتنياهو عن قَبوله بحلّ الدولتين، أو أن يفعل شيئاً بشأن الاستيطان. وأعلن نتنياهو عن وقف جزئي ومؤقت للاستيطان. لكنّ عباس ظلَّ مُصراً على وقْفٍ كامل للاستيطان، كما ظلَّ مصراً على تحديد المرجعية أو الغاية النهائية وهي إقامة الدولة الفلسطينية المستقلّة، وأن يكون للتفاوُض أمدٌ محَّدد. وارتأى ساركوزي أنه ما دام الخلاف بهذا الاتّساع بين الطرفين؛ فلا بديل عن مؤتمر دولي يعودُ بالعملية السلمية إلى أساسِها، ويُدخلُ فيها كلاًّ من سوريا ولبنان. وليس من الواضح لماذا وافق نتنياهو "مبدئياً" على المؤتمر الدولي، إلاّ إذا كان المقصودُ كسْبَ الوقت. وهكذا ففي مطالع العام الجديد كانت مُبادرة أوباما الشرق أوسطية ما تزال طيَّ الكتمان، والمؤتمر الدولي ما يزال فكرةً فرنسية، سكت عنها الروس الذين كانوا قد قالوا بها قبل عامٍ ونصف. والإسرائيليون يريدون مفاوضات بدون شروطٍ مع الفلسطينيين ومع السوريين. والفلسطينيون يريدون مفاوضاتٍ بثلاثة شروط: وقف الاستيطان، وتحديد هدف التفاوض، ووضع أمد للتفاوُض. وكان المصريون قد أَبْدَوا مُيلاً -مثل أوباما وهيلاري- لبدء التفاوُض رغم استمرار الاستيطان، لكنّ المعارضة الشديدة من عباس، أعادت الموقف العربيَّ العامَّ للتوحُّد في رفض الإعراض الإسرائيلي، ونقد التهاوُن الأميركي. لكن إذا كان الموقفُ العربي الحالي واحداً وإنْ بالسلْب؛ فالتقديرات للموقف الإسرائيلي تختلف. ويلاحظ أنّ نتنياهو استطاع الاحتفاظ بحكومته موحَّدةً رغم قَوله بحلّ الدولتين، ووقفه الجزئي للاستيطان. وكنتُ قد قابلتُ "أريك رولو" في بيروت خلال مؤتمرٍ لمؤسسة الدراسات الفلسطينية قبل أُسبوعين؛ فذكر لي أنه إذا كان الموقف الإسرائيلي السلبي من عملية السلام واحداً وقائماً بالفعل؛ فمعنى ذلك أنّ مستقبلاً مُظْلماً ينتظر إسرائيل، لأنّ المستوطنين وعُتاة اليمين يكونون قد سيطروا فيها. فمهما بلغت قوةُ الجيش والمجتمع الإسرائيليَّين؛ فليس بالوُسع الصمود في وجه خمسة ملايين فلسطيني تحت الاحتلال أو التمييز داخل فلسطين، وعدة ملايين أُخرى منهم في الجوار القريب. والأَمْرُ نفسُهُ لا تستطيع الولاياتُ المتحدةُ تحمُّلَهُ في المدى المتوسّط. فالذي لا ينبغي الاستخفافُ به أو تجاهُلُهُ الموقف الأُوروبي الذي يريد الانتهاء من تداعيات النزاع بين الإسرائيليين والعرب. وقد بدا لي كلام رولو مُبالغاً بعض الشيء، لأنّ إسرائيل ظهرت مرتاحةً لتراجُع الحماسة الأميركية تجاه عملية السلام، وقول أوباما إنه لم يكن يعلم أنّ النزاع بهذا التعقيد! ثم جاءت محاضرة وزير الدفاع الإسرائيلي باراك بجامعة بار إيلان، لتُثبتَ أكثر ما قاله رولو. فقد اعتبر باراك أنّ استمرار النزاع مع الفلسطينيين أخطَر على إسرائيل من إيران وتهديداتها النووية. فالنووي الإيراني موضوعٌ دوليٌّ وليس خاصاً بإسرائيل، وقد وضعه الجميع ضمن أولوياتهم، كما وضعوا الخطوط الكبرى لمعالجته. وليس كذلك الأمر مع الفلسطينيين. إذ لا يمكن إبقاءُ شعبٍ تحت الاحتلال إلى الأبد. وإذا أصرَّ الإسرائيليون فستقوم دولةٌ ثُنائية القومية، أو دولة أبرتايد (فصل عنصري). وفي الحالتين يتضاءل الطابع اليهودي للكيان، ويسود عدم الاستقرار بداخل البلاد الموحَّدة بالقوة. ولذلك لابد من اتفاقٍ على الأُسُس والأَولويات بالتفاوُض، وإبعاد الفلسطينيين عن اليأْس والإحباط. وذلك رغم سيطرة "حماس" على غزة، ورغم ضعف عباس والشكّ في قدرته على إنفاذ الوعود التي يقطعُها على نفسِه. وكلام باراك هذا إمّا أن يكونَ كلاماً استراتيجياً هدفه تزعُّم معسكر الاعتدال بالداخل الإسرائيلي، أو أنه كلامٌ سياسيٌّ حاضرٌ؛ ويستدعي ذلك أحد أمرين: إمّا إقامة حكومة وحدة وطنية في إسرائيل، يخرج منها اليمين الديني والسياسي، وتستطيع دخول التفاوض، أو تجري الدعوة لانتخاباتٍ مبكِّرة. ولننظر إلى الطرف الآخََر من المشهد. فبعد أقلّ من شهرين ينعقد مؤتمر القمة العربي بليبيا. ولا شكَّ أنّ المؤتمر سيُقالُ فيه كلامٌ قاسٍ ضد إسرائيل وربما ضد الولايات المتحدة. وحتى ذلك الحين ستظلُّ الجهود والمساعي قائمةً للمصالحة بين مصر وسوريا، بين "حماس" و"فتح". فقد تقاربت المواقفُ والمُقاربات، ويدفعُ التطرف الإسرائيلي العرب إلى التوحُّد في مواجهته. ومن ضمن المشهد أيضاً التطورات الجارية والمتجهة للتوتُّر الشديد بين الغرب وإيران حول النووي. فأوباما في خطاب الاتحاد ما أتى على ذكر سلام الشرق الأوسط؛ بل ذكر الموقف مع إيران، متوعداً إياها بالعُزلة. وكان المُتعارفُ عليه أنه مع اشتداد التوتُّر مع إيران، يزدادُ الحرصُ على المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ولذا فإنّ تجاهُل الموضوع لا يبعثُ على التفاؤل. والأقوالُ تتراوحُ اليومَ بين قائلٍ بحصول العقوبات على طهران في فبراير، وقائل بحصولها في مارس. وكما في كلّ مرة؛ فإنّ راديكاليي العرب بدؤوا ينْحون باللائمة على معتدليهم، فاعتبروا كالعادة أنهم وقعوا ضحية خديعةٍ من جانب الولايات المتحدة. لكنّ الواقعَ هذه المرة غير ذلك. فقد وضع العربُ بالاشتراك مع الفلسطينيين أُسُساً وما يزالون عليها؛ بينما تقلَّب الطرفان الإسرائيلي والأميركي. وكما أن هذا الانقسام ما كان ينبغي أن يقع لو أنّ التفاوُض اتّخذ مسارَه بشروطٍ ملائمة؛ فكذلك لا ينبغي أن يقع الانقسامُ لأنّ التفاوُض لم يقع؛ وذلك بالانصراف إلى راديكالياتٍ ما عادت تفيد في شيء. فالأَولويات ما تزالُ هي هي، وتتمثّل في التوحُّد العربي على صَون المصالح عبر وحدة الصفّ والموقف، واستمرار الضغط على الفلسطينيين للغرض نفسِه. وأمامنا شهرٌ أو شهران لكي تنفتح المسارات، أو تعلوَ أسوارُ الانسدادات، وتأتي معها التوترات.