يلعب الدين والعامل الروحي بصفة عامة دوراً حيوياً في حياة الأمم والشعوب، ويشهد التاريخ أن الكثير من مسببات عدم الاستقرار والظواهر الأمنية المقلقة في العالم قد اتخذت من الدين ستاراً أو غطاءً تحركت تحته ووظفته بشكل أو بآخر، سواء في الترويج لأفكارها ومفاهيمها المغلوطة، أو لكسب تعاطف الجماهير ودعمها في البيئة المحيطة، وكذلك في البيئات الداخلة ضمن نطاق أهداف هذه الجماعات والتنظيمات، أو البيئات التي تتوجه إليها برسالتها الأيديولوجية والفكرية. والقادة الدينيون طرف أساسي فاعل في الصراعات والمعارك التي تتمحور حول الدين، أو التي تتخذ من الدين ستاراً أو حتى يلعب فيها الدين أي دور من أي نوع، انطلاقاً من المكانة المؤثرة لهؤلاء القادة في تحرير الأديان والأفكار الدينية من "الاختطاف" على أيدي العابثين أو مستغلي هذه الأفكار والعمل تحت مظلتها والتحرك تحت لوائها. وإذا كان للقادة الدينيين هذا الدور المحوري في تحييد العامل الديني عن أي صراعات وحظر توظيفه من جانب أي جماعات أو تنظيمات، فإن تهاون القادة الدينيين في الاضطلاع بهذه المهمة يؤدي بالتبعية إلى تحريك الصراعات والحروب التي تتخذ من الدين ستاراً وتأجيج الفتن الدينية أو ما يعرف الآن بصراع الحضارات وغير ذلك من مفاهيم ومصطلحات طفت على سطح الأحداث بقوة في السنوات العشر الأخيرة، وجعلت من الأديان محركاً للأحداث على الساحة الدولية. إذا نظرنا إلى ما يشهده العالم من حالة عدم استقرار منذ اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأميركية، لأدركنا بسهولة أن محدودية دور القادة الدينيين في تجسير فجوة الصراع بين الأديان والرد على الإدعاءات الخاصة بصراع الحضارات وما يقال عن العداء للإسلام في الغرب وغير ذلك، هذا الدور المحدود للقادة الدينيين من الجانبين قد أسهم في تغذية الإدعاءات الخاصة بالصراعات الدينية ومنح هامش حركة بالغ التأثير للتنظيمات والأفكار المتطرفة كي تتحرك وتناور على الساحة من دون أي مواجهة أو ردود أو أنشطة مقابلة. ودولة الإمارات تسعى دائماً لأن تقدم للعالم نموذجاً حضارياً في التعايش الديني والفكري بين الأديان والبشرية من مختلف البلاد والمشارب والانتماءات الفكرية والدينية، باعتبار أن هذه البيئة هي التي تعلي من شأن العمل والتنمية وخدمة البشرية وهي تقدم النموذج الحضاري للترفع عن الصراعات، من أجل خير الجميع. إن التركيبة الإثنية والدينية في منطقة مثل الشرق الأوسط، تتطلب تكاتفاً وتعاوناً متواصلاً من جانب القادة الدينيين ليس في المنطقة وحدها بل في العالم أجمع من أجل نزع بذور الكراهية وتشجيع التسامح والتعايش بين الأديان، باعتبار أن الحفاظ على استقرار هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة بالنسبة للأمن والاستقرار العالميين أولوية تستحق أن يشارك فيها القادة الدينيون بدور بارز. وينبغي أن نأخذ في الاعتبار الدراسات المتخصصة التي تربط التطرف والإرهاب في مختلف الأديان بالفقر والحرمان والبطالة وتراجع المستوى الثقافي والفكري. فالجهل والفقر يوفران للتنظيمات المتطرفة مجالاً رحباً للحركة وتجنيد الشباب والمراهقين، واستغلال سوء أحوالهم المعيشية والإنسانية من خلال خداعهم والتلاعب بأفكارهم والتسلل إلى عقولهم عبر استغلال مساحات خاوية من الأفكار والمفاهيم الدينية، وتوظيف حالات من الغياب التام لدور القادة الدينيين أو لعدم نجاحهم في التأثير في فئات وطوائف كثيرة من الناس، سواء بسبب غياب الثقة بهم أو الاتهامات التقليدية لكثير من رجال الدين بأنهم يدافعون عن المواقف الرسمية للدول والحكومات التي لا يكنُّ لها هؤلاء المهمشون تأييداً يذكر!