قدر الله تعالى أن أكون في المملكة العربية السعودية خلال الأسبوع الماضي لأشهد جريمة الخبر النكراء، لست هنا لشجب هذا الجرم، ففي حديثي مع إخواني في المملكة وجدت إجماعا على استنكاره لأنه يتعارض مع كل معتقداتنا وأصولنا وقيمنا وثوابتنا. أعترف أنني إنما كنت أحاور فئتين بينهما بون شاسع هما أساتذة جامعات تأهلوا في أرقى الجامعات العالمية، وسائقو سيارات الأجرة الذين سعدت بالحديث الشعبي معهم. لكن كلتا الفئتين أجمعت على المعاني نفسها وإن اختلفت اللغة. عندما غادرت المملكة بدأت أسأل نفسي عن الخلفية الشرعية لهذه الأحداث، أعرف أن البعض لن يرضى عما سأقول، فلا يوجد أسهل من ربط الأحداث بعملاء الاستعمار أو الصهيونية. في تصوري نحن في بعض الأوقات نلجأ إلى الحيل الهروبية لتبرير واقع لابد أن نواجهه. ما جرى وما سيحصل منطلق من مبادئ عقدية ليس إلا، فعملاء الخارج قد يفجرون سيارة مقابل حفنة من المال، لكن إزهاق النفس لم يكن في التاريخ إلا منطلقا من إيمان بفكر صارم، تأصل في النفس البشرية حتى أوصلها إلى الشعور باللذة عندما يقبل صاحبها على الانتحار. وهذه القضية لا ترتبط بالإسلام فقط، فمن قتل السادات فكر بنفس أسلوب من قتل رابين، لذلك من المهم جدا البحث في هذه القضية، والتي أسميتها كهف الإرهاب.
لو تأملنا الاجتهادات الشرعية لرأينا فيها أمراً عجيباً، فاجتهاد العلماء وهم في السجن له طعم، واجتهاداتهم ونظرتهم للنصوص وهم في الرخاء لها نكهة أخرى. فمن تتبع آراء بن تيمه رحمه الله وهو في السجن يجد لها ذوقا يختلف عما كان وهو حر، ولو دققنا في أطروحات سيد قطب رحمه الله حبيسا في سجنه لرأينا النظرة إلى العالم بين الإسلام وجاهلية القرن العشرين. هذا ما أسميه بفكر الكهف، والمسألة مبررة من الناحية الفكرية، فمن يكتب بعد ظلم، مفتقدا كل مصادر المعرفة ومراجعها والتي من أهمها المناظرة مع الآخرين لا شك أنه سينزلق في هاوية فكرية، على عكس من كتب وهو متمتع بحرية القلم مزودا بمصادر العلم عارضا فكره على من يثق بعلمه. هاتان الصورتان تمثلان لنا بعض مصادر ما نراه اليوم. لذلك فالعمل الإسلامي بحاجة إلى مراجعة شاملة لمثل هذه الأطروحات، لأخذ الصحيح منها ورد المنزلقات الفكرية على أهلها، فكل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، كما قال مالك رحمه الله وأشار إلى قبر الرسول عليه الصلاة والسلام. هذه الأحداث التي نعيشها بنيت أفكارها في كهوف أفغانستان كما يعلم الجميع، وهل تلك هي البيئة العلمية المناسبة للاجتهاد في إزهاق أرواح البشر؟ من غريب الأقدار أنني توقفت قبل سفري يوم الجمعة مع سورة الكهف، وتأملت قول أصحاب الكهف عندما أرادوا إرسال من ينوب عنهم إلى المجتمع غير المؤمن فأوصوه بقولهم "وليتلطَّف" وهذه الكلمة عندها انتصف القرآن الكريم كي يقول للدعاة في كل زمان عليكم باللطف فهل كان كهف أهل الكهف أرحم من كهوف القرن العشرين أم ماذا؟
إن زلة العلماء لها آثار واضحة في مجتمعاتهم، ومما يعزز الزلل عند العلماء معيشتهم في كهف مادي أو معنوي، وأقصد بالمادي عزلتهم عن المجتمع جسديا بالحبس القهري أو الاختياري، أما المعنوي فهو يكمن في عزلتهم الفكرية وعدم استعدادهم لعرض أفكارهم على غيرهم، بالمناظرة التي تعزز الفكر وتعدل الرأي وتجبر الخلل. العزلة في الكهف أدت إلى التمحوُر حول الذات مما جعل بعض العلماء يعيشون في زمن غير زمانهم وجعل طرحهم يتعارض مع الواقع الذي خلقنا لعمارته. لو تأملنا الفرق بين العلماء الذين تعودوا الترحال كالإمام أبي حنيفة رضي الله عنه لرأينا فقه القديم والجديد. ولو رأينا الفقه الإسلامي في الأندلس، عندما انصهر الأسبان مع العرب وتلاقح فكر المشرق مع المغرب لرأينا المعنى الذي أريد. فهل آن لعلمائنا الذين حبسوا أنفسهم أو حبسوا في كهف مادي أو معنوي أن يخرجوا إلى الحياة بفقه لا ينزلق عن أصول الإسلام الذي جاء رحمة للعالمين، لكنه يتناغم مع واقع لابد أن يعاش، وهل آن لشباب الأمة أن يكون لهم من العقل ما يمكنهم من حبس فقه الكهف في كهفه وعدم إسقاطه على الحياة لأنه نزل في مكان الاجتهاد فيه محدود والانزلاق بسببه مردود.