يتعاظم قلق الكثيرين في الوقت الحالي على مصير القضية الفلسطينية ومستقبل الشعب الفلسطيني، لاسيما في ظل الفشل الذي أصاب عملية السلام المنبثقة عن أوسلو، وما يتعرض له الفلسطينيون من عدوان وحصار شامل، وما يتهدد أرضهم جراء عمليات الاستيطان والتهويد المتواصلة، علاوة على انقساماتهم الداخلية المستمرة. ولعل الوجه الآخر لتدهور الحال الفلسطيني وضبابية آفاقه، ما تترجمه الصعاب والتحديات الكثيرة التي باتت تهدد استمرار "وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى" (الأونروا) في الوفاء بالتزاماتها تجاه ملايين اللاجئين الفلسطينيين داخل الوطن المحتل وخارجه. تلك التحديات والصعاب التي دعت مؤتمر المشرفين على شؤون اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة، في ختام دورته المنعقدة يوم الخميس الماضي بالقاهرة، إلى مطالبة المجتمع الدولي بدعم الوكالة، ورفض توطين اللاجئين، وتطبيق القرار 194 الخاص بحقهم في العودة والتعويض معاً. وعبر المؤتمر عن قلقه البالغ من المحاولات الرامية للمس بدور "الأونروا"، داعياً جميع الدول إلى الوفاء بالتزاماتها تجاه الوكالة. وأكد أن أي تقليل لموازنة الوكالة يعني في النهاية مساً بالخدمات الأساسية المقدمة للاجئين. وطالب بيان المؤتمر الدول العربية خاصة بسداد حصصها في "الأونروا"، والتي لا تتجاوز في مجموعها 7 في المئة من إجمالي تمويل الوكالة، حتى لا يصبح تأخر الدول العربية ذريعة لدول أخرى في التخلي عن الوكالة. وفي ذلك اليوم صدر قرار أممي لقي ارتياحاً لدى المؤتمر، حيث أعلن أمين عام الأمم المتحدة بانكي مون، يوم الخميس 20 يناير 2010، تعيين مفوض جديد للأونروا هو فيليبو غراندي الذي وصفه بأنه "إداري متميز"، و"مدافع شرس عن حقوق وكرامة اللاجئين الفلسطينيين"، كما أشاد بدوره في "إنجاح الإصلاحات الإدارية الطموحة التي أجرتها الأونروا" تحت قيادة المفوض السابق الأميركية كارين أبوزيد، حيث عمل نائباً لها منذ سبتمبر 2005. ويعد جراندي أحد خبراء الأمم المتحدة المتميزين في معالجة الصراعات المحلية وإدارة شؤون اللاجئين، حيث اكتسب خبرة واسعة في هذا المجال خلال سنوات عمله في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. فقد عمل نائب الممثل الخاص لأمين عام الأمم المتحدة في أفغانستان، ابتداءً من مايو 2004، حيث تابع العملية الانتخابية، وجهود نزع أسلحة الميليشيات. وقبل ذلك ترأس بعثة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لمدة ثلاث سنوات في أفغانستان أيضاً، كما عمل مديراً للموظفين في المكتب التنفيذي للمفوضية في جنيف بين عامي 1997 و2001. وقد انضم جراندي إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عام 1988، فعمل في برامجها للاجئين في السودان وسوريا وتركيا والعراق. وبداية من عام 1991 ترأس عمليات الطوارئ في كينيا وبنين وغانا وليبيريا واليمن وأفغانستان. أما بداية مشواره المهني فكانت في عام 1984 حيث عمل على مدى أربعة أعوام مع منظمات غير حكومية في تنفيذ برامج للاجئين في إيطاليا وتايلاند. وفيليبو جراندي إيطالي من مدينة فينيسيا الساحلية الشهيرة حيث ولد عام 1957، ودرس وتخرج من جامعتي فينيسيا وميلان الحكوميتين بشهادة في التاريخ، كما حصل على شهادة في الفلسفة من جامعة جورجيان بروما. لكن بعيداً عن مجال تخصصه الدراسي، اتجه جراندي نحو العمل الإداري والمهمات الدولية في مجال قضايا اللاجئين وحقوق الإنسان وآثار الحروب وتسوية الصراعات. أما وكالة "الأونروا" التي أصبح جراندي مفوضها العام الثالث عشر منذ إنشائها، فهي وكالة إغاثة وتنمية بشرية، تأسست بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 الصادر يوم 8 ديسمبر 1949، بهدف تقديم الإغاثة المباشرة وبرامج التشغيل للاجئين الفلسطينيين عقب الحرب الإسرائيلية عام 1948 وقيام دولة إسرائيل الذي رافقته عملية "ترانسفير" واسعة بحق الشعب الفلسطيني. وقد بدأت الوكالة عملياتها الميدانية في مايو 1950، وهي اليوم تتبوأ مكانة متميزة في إطار التزامها الدائم نحو مجموعة واحدة من اللاجئين وإسهاماتها في تقديم العون لأربعة أجيال من اللاجئين الفلسطينيين. كما تعد أكبر وكالة تابعة للأمم المتحدة معنية بالعمل على توفير الخدمات الرئيسية في مجالات التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية، إذ تقدم خدماتها لما يربو على 4.4 مليون لاجئ فلسطيني في مناطق عملياتها الميدانية الخمس، الأردن ولبنان وسوريا والضفة الغربية وقطاع غرة، بينهم 1.3 مليون لاجئ في 59 مخيماً معترفاً به. وتقوم الوكالة بتشغيل ورعاية ما يربو علًى 900 منشأة يعمل بها حوالي 25 ألف موظف. وقد اتخذت من بيروت مقراً لها عام 1950، لكنها انتقلت إلى فيينا عام 1978، ثم إلى غزة وعمان عام 1996، ولها مكتبا اتصال بمقري الأمم المتحدة في نيويورك وجنيف، ومكتب اتصال ثالث في القاهرة، ومكاتب إقليمية في مواقع عملها الخمسة. أما ميزانيتها النقدية السنوية فبلغت منذ عام 2005 في المتوسط 399 مليون دولار أميركي، وهو مبلغ يقل، في نظر الوكالة وكثير من المستهدفين بخدماتها، عن الوفاء بالحد اللازم من احتياجات اللاجئين، خاصة بعد أن تضاعفت الأعباء عليها في قطاع غزة عقب حملة "الرصاص المسكوب"، والتي قصفت خلالها إسرائيل مخازن "الأونروا"، ودمرت 15 مستشفى من أصل 27 في القطاع، و43 من أصل 110 مستوصفات، علاوة على ما دمرته من مدارس وبنى تحتية وبيوت ومنشآت اقتصادية كانت تعيل آلاف العوائل الفلسطينية... الأمر الذي ترتبت عنه واجبات إنسانية جديدة على "الأونروا" حيال اللاجئين. ومما عقد عملها هناك أيضاً استمرار الحصار على القطاع وإغلاق المعابر، والذي قد لا يستثني في بعض الأحيان شحنات الإغاثة التابعة للوكالة. وعلى الخلفية السياسية الجلية لتلك المصاعب والتعقيدات والتحديات، وما يراه البعض توجهاً سياسياً لتصفية الأونروا كرمز لقضية اللاجئين الفلسطينيين، يتسلم التكنوقراطي جراندي مهامه على رأس الوكالة الدولية في وقت مفصلي وحاسم... فهل يستطيع تنحية العراقيل وإزالة "الحصار" على عمل الوكالة؟ وماذا بإمكان "الإداري المتميز" أن يحقق مما لم يحققه مفوضو "الأونروا" الأوائل؟! محمد ولد المنى