في العصر الراهن تلعب وسائل الإعلام دوراً غاية في الأهمية في تعزيز أو إضعاف العلاقات بين الدول. ولأول مرة في تاريخ شبه القارة الهندية، تُقدِم أكبر صحيفتين في الهند وباكستان وهما" تايمز أوف إنديا" ومجموعة"جانج" الصحفية، على توحيد جهودهما في محاولة لتقليص حدة التوتر بين الدولتين وبناء جسور التقارب بينهما. والمبادرة التي تقدمت بها الصحيفتان في هذه الخصوص وتسمى"مبادرة الأمل في السلام" تهدف إلى توليد قوة زخم، تساعد البلدين على تجاوز مرحلة الجمود التي يمرا بها حالياً، والمضي قدماً بعد ذلك نحو استئناف عملية الحوار المُجَمّع من خلال الدبلوماسية المعروفة بدبلوماسية" المسار -2". وكانت حكومتا البلدين قد اتفقتا على أن عملية السلام، لن يتم التراجع عنها ولكنهما عادا فيما بعد لينخرطا في مستوى من الاتهامات والإدعاءات ضد بعضهما بعضاً لم يكن متوقعاً. وتأتي المبادرة بين القطبين الإعلامين في البلدين، بعد فترة من البرود التي شابت علاقتهما خلال العام المنقضي. وفي الحقيقة أن الجهد الذي قاما به لم يمر دون ملاحظة على جانبي الحدود، حيث يشار في هذا السياق إلى أن الصحيفتين قد أجريتا استطلاعاً للرأي، تبين من خلاله أن الغالبية العظمى من الهنود والباكستانيين يرغبون في السلام والاستقرار بين دولتيهما المتجاورتين. فضلًا عن ذلك، قام عدد من منظمات المجتمع المدني الأخرى، والأفراد، بتوحيد جهودهم من أجل تنظيم مؤتمر في نيودلهي، لممارسة ضغط على الحكومتين، ودفعهما للسعي من أجل السلام ولأن يجعلا من ذلك إيديولوجية ثابتة، والتزاما دائما يكون هدفهما تطوير الهند وباكستان معا. والمؤتمر الذي عقد تحت عنوان" الهند وباكستان: خريطة طريق نحو السلام" شهد مشاركة كبيرة من الخبراء والنشطاء من كلا البلدين، وانتهى بمسودة إعلان يدعو لاستئناف ما يعرف بالحوار المُجَمّع، والبدء في إجراءات لبناء الثقة بينهما، ومن أهمها قيام الدولتين معا بالموافقة على نزع سلاح كشمير، وقيام الهند بإلغاء القانون المعروف بـ"قانون الصلاحيات الخاصة للقوات المسلحة"، ومحاسبة المتهمين بارتكاب جرائم ضد الشعب. وقد تعهد المشاركون في المؤتمر كذلك بفرض رقابة ذاتية من أجل إيقاف خطاب الكراهية، والدعوة إلى الحرب في وسائل الإعلام، كما اتُخذ أيضاً قرار بجمع 200 توقيع من البرلمانيين في الهند وباكستان للمطالبة بمنح تأشيرة دخول عند الوصول إلى المنافذ الجمركية لكليهما، وذلك للأطفال وكبار السن من الجنسيتين. إن قوة دبلوماسية (المسار -2) لا يمكن التهوين من شأنها. فخلال السنوات الأخيرة من حكم الجنرال"برويز مشرف"، كانت الهند وباكستان قريبتين للغاية من التوصل لاتفاقية بشأن كشمير، وذلك بعد أن بذل المسؤولون في البلدين من خلال دبلوماسية المسار -2 جهوداً كبيرة وراء الكواليس من أجل بلورتها. على نفس المنوال، تم مناقشة عدد كبير من إجراءات بناء الثقة في ساحات المسار -2 ، قبل أن يتم تناولها بالتفصيل بعد ذلك من قبل مسؤولي البلدين، ثم وضعها موضع التنفيذ من قبل حكومتيهما. فبالإضافة للجهود الرسمية وشبه الرسمية، لا شك أيضاً أن التفاعل بين الشعبين والمناقشات بينهما لها تأثير كبير لتحسين الأجواء بين الدولتين. في المرحلة الحالية هناك شكوك قوية حول ما إذا كانت دبلوماسية "المسار -2" قادرة على تذويب الجليد الحالي في العلاقة الثنائية بين الدولتين. فبادئ ذي بدء، نجد أن رئيس الوزراء الهندي" مانموهان سنج" الذي يرغب شخصياً في إحداث تغيير في العلاقات الهندية- الباكستانية، قد حاول جاهداً تجاوز الحدود الحالية الحاكمة للعلاقة بين الدولتين، وإحداث تطوير كبير فيها، ليس لديه ذلك الإجماع السياسي في بلاده الذي يخوله البدء في إجراءات التقارب مع باكستان. كذلك نجد أن بيان "شرم الشيخ" المشترك الذي كان محاولة لتغيير آليات الحركة في هذه العلاقات لم يجد قبولاً في الهند. فعقب الضجيج السياسي الذي صاحب المؤتمر، وجدت الحكومة نفسها مجبرة على التقهقر السريع، والتصريح بأن ما جاء في البيان الهندي -الباكستاني المشترك بالفصل بين العمل ضد الإرهاب من ناحية، وعملية الحوار المُجَمّع من ناحية أخر لم يكن سوى نوع من" الصياغة الرديئة". علاوة على ذلك، نجد أن القضية الأخيرة الخاصة بالإرهاب والمتعلقة بالمشتبه به "ديفيد هيدلي كولمان" قد أضافت المزيد من التعقيدات إلى مسألة العلاقات بين الدولتين، خصوصاً بعد أن كشفت تحقيقات مكتب التحقيقات الفيدرالي"إف.بي.آي" أن"هيدلي"، الذي يتم التحقيق معه في الولايات المتحدة في الوقت الراهن، قد قام بعدة زيارات للهند لاكتشاف عدة أهداف لهجمات مزمعة لإرهابيين، ثم تقاسم هذه المعلومات مع عناصر متآمرة في باكستان. وقد دعت تلك المعلومات الهند إلى مطالبة باكستان مجدداً بكشف الأبعاد الكاملة للهجمات التي شنها الإرهابيون على مومباي، واتخاذ المزيد من الإجراءات ضد العناصر الإرهابية، التي تعيش فيها، بخلاف المحاكمات التي تجريها في الوقت الراهن محكمة مكافحة الإرهاب في باكستان، مع سبعة أفراد من المشتبه بارتكابهم لتلك المذبحة. فالهند متأكدة أن التخطيط لتلك الهجمات، وتنفيذها، لم يقتصر على هؤلاء الأفراد السبعة فحسب. وقضية "هيدلي" ذاتها قد كشفت عن أن العديد من عناصر المؤامرة قد جرى تنفيذها بعد عملية تخطيط تفصيلي ومحكم. في الوقت الراهن، هناك نوع من التكهنات بأن دبلوماسية" المسار ـ2" تلقى نوعاً من الدعم من قبل حكومتي البلدين، وأن هناك حركة تدور في أروقة السلطة، تهدف إلى استكشاف الكيفية التي يمكن أن تمضي بها هذه العملية قدما للأمام. حالياً، نجد أن جميع الأعين مركزة على جهود السلام التي يقوم بها النشطاء، والأكاديميون وكبار الإعلاميين في البلدين، والذين يحاولون من خلالها إعادة الاتصالات بين الشعبين باعتبار أن ذلك سيكون بداية صغيرة واستجابة الجماهير على جانبي الحدود ضخمة بصورة، قد لا يمكن تخيلها، وهو ما يشكل في حد ذاته عنصر ضغط كبير على حكومتي البلدين.