ثارت ضجة أخيرة من اليمين السويسري ضد المآذن في المساجد الإسلامية بسويسرا التي بدأت ترتفع كلما ازداد عدد المسلمين من المهاجرين أو السويسريين. وسويسرا كانت هي بلد التعددية اللغوية والدينية والعرقية. يعيش فيها الألمان والفرنسيون والإيطاليون في رقعة جبلية دون أن يكون لها طابع قومي خاص. فلا يوجد سويسري. بل يوجد ألماني هو امتداد لألمانيا حول بيرن وزيوريخ وبازل، وفرنسي امتداداً لفرنسا حول جنيف ولوزان، وإيطالي حول لوجانو وكومو. وقد لا تتساوى أو تندمج الثقافات الثلاث، ولكن الانتماء لسويسرا هو الجامع لأصحاب تلك الثقافات المتعددة كلها. أولاها الألمانية، فالسويسري تصدق على الألماني الذي يقطن في زيوريخ. وثانيتها الفرنسية، فالسويسري هو أيضاً الفرنسي الذي يقطن في جنيف، عاصمة المؤتمرات والمواثيق الدولية والتي عادة ما تتحول في الثقافة الشعبية إلى عاصمة لسويسرا. وثالثتها الإيطالية، فالسويسري هو كذلك الإيطالي الذي يقطن لوجانو وكومو، وهما مدينتان سياحيتان حول بحيرات جبال الألب. والألمان يكتفون بالقوة، والفرنسيون بالثقافة، والإيطاليون بالجَمال. ومع ذلك أصبحت سويسرا نموذجاً لتعايش الطوائف والثقافات والأجناس. يُضرب بها المثل في التسامح. وفيها قامت حركة الإصلاح الديني بزعامة زفنجلي المستقلة عن الإصلاح الديني في ألمانيا عند لوثر، وفي فرنسا عند كالفن. ومما يتناقض مع هذه التعددية وحدة المباني الجبلية بالقرميد الأحمر و"الفلل" الجبلية الصغيرة. وهذا التجانس المعماري على مدى البصر قد يصيب بالملل لفقدانه التنوع على الأقل بين القديم والجديد، بين وسط المدينة وأطرافها. ومع ذلك قبل الحس السويسري وجود تنوع معماري جديد تحت ضغط الزيادة السكانية والمعمار الحديث بوجود بنايات شاهقة وسط كل مدينة، ناطحات سحاب متوسطة على نسق مانهاتن في نيويورك وأيضاً العديد من العواصم الدولية الراهنة، ومنها عواصم عربية، التي أصبحت رمزاً للتحضر والحداثة والعمران وكلها تتشابه في معمارها الحديث، الزجاج والفولاذ، بدلا من الطوب والإسمنت. وأصبح للمدينة وسطان، قديم وحديث، حارات وأزقة من ناحية، وطرق سريعة من ناحية أخرى. والمآذن الرفيعة المرتفعة المتدرجة مثل أبراج الكنائس العريضة المتباينة في الطول والقصر. كلاهما له غرض واحد، الإعلان عن مواقيت الصلاة، بالأذان في المساجد، وضرب الأجراس في الكنائس. كلاهما له نفس الوظيفة لتحديد الزمن سواء في الصلاة أم في الحياة العامة لضبط إيقاعها وعدم نسيان أداء الأعمال في أوقاتها. وشتان... شتان بين المآذن والصواريخ، وحتى إن تشابها في الشكل، كما يزعم الزاعمون من اليمين السويسري المتطرف، فإنهما يختلفان في الوظيفة، بشكل مطلق، فالمآذن للدعوة إلى السلام، والصواريخ للعدوان على الآخرين. الأولى للإعلان عن تحرر الوجدان البشري من كافة أشكال الظلم والغبن، والثانية لسيادة القوة والعدوان من شعب على شعب آخر. ويُقام الأذان في إندونيسيا وسط الغابات من فوق أشجار جوز الهند العالية بعد أن يتسلقها المؤذنون. وقد يـُقام فوق أسطح المنازل. لم يقارن أحد بين الكنيسة والدبابة أو المصفحة، كتلة من الإسمنت مع كتلة من الحديد. المآذن للنداء مثل أبراج شبكات الاتصالات الحديثة فوق أسطح المنازل والأبراج الحديدية العالية وسط الحدائق والغابات. أذان الفجر من أجل الاستيقاظ وبدء العمل مبكراً كما يفعل الأوروبيون حرصاً على بداية العمل أو أهل الصحراء هرباً من قيظ الظهيرة. وكما يفخر الفرنسيون بكاتدرائية نوتردام، والألمان بكاتدرائية كولونيا، والإيطاليون بكنيسة القديس بطرس بروما وبغيرها من الكنائس الكبرى في ميلانو وجنوة والبندقية ونابولي. ويفخر الإسبان بالخيرالدا وهي المئذنة التي بقيت من مسجد إشبيلية. ويتباهون بمسجد قرطبة وأعمدته كنخيل الصحراء وتشويهه بالكنيسة وسطه التي بناها شارل الخامس، فحولت الجمال إلى قبح بدافع التعصب والكراهية. وتظل المساجد القديمة في باليرمو، بصقلية، فخراً للمدينة القديمة مثل "بادوا" في شمال إيطاليا. وقد أصبح القوس المعماري نموذجاً للتوحيد بين القوس العربي والقوس الروماني. وتأثر المعمار الأوروبي في العصر الوسيط بالمعمار الإسلامي. كما تأثر المعمار الإسلامي في نشأته بالمعمار المسيحي الشرقي. ليست القضية إذن وحدة المعمار السويسري بل الكراهية للآخر على رغم إدعاء التعددية اللغوية والطائفية والعرقية. هي "الإسلاموفوبيا" أو الخوف من الإسلام أو كراهيته. هي العنصرية الأوروبية الدفينة التي لم تمحها التعددية الزائفة. التعددية في الداخل، بين الألمان والفرنسيين والإيطاليين دون الخارج مع الآخر غير الأوروبي الذي يشاركهم الجوار. صحيح أن سويسرا لا تطل على البحر الأبيض المتوسط ولكن فرنسا وإيطاليا تطلان عليه وعلى جنوبه حيث يقطن العرب، مسلمين ومسيحيين. وقد عُرف الأوروبيون بوعيهم التاريخي، وبأنهم هم الذين أعطوا الحضارة الإنسانية فلسفة التاريخ. ومع ذلك ينسون تاريخهم الإسلامي عندما كانوا يتعلمون على أيدي العلماء المسلمين. رأوا حاضر المسلمين في المآذن، ونسوا ماضيهم في العلم. لقد انتشرت الحضارة الإسلامية في كل ربوع أوروبا في العصر الوسيط من خلال الترجمات اللاتينية والعبرية عن العربية. وكانت أحد عناصر الإصلاح الديني والنهضة الأوروبية والعقلانية الحديثة والعلم المعاصر. كانت مراكز الترجمة في إسبانيا، كطليطلة، التي ظلت تتحدث العربية على مدى قرنين من الزمان بعد سقوطها، وباليرمو في جنوب إيطاليا في صقلية، و"بادوا" في شمالها، وبيزنطة في الشرق. وكان جابر بن حيان والحسن بن الهيثم وغيرهما من علماء المسلمين مصدراً للعلم الغربي الطبيعي والرياضي. وكان ابن رشد مصدراً للعقلانية الأوروبية والفكر الحر على يد الرشديين اللاتين وفي مقدمتهم سيجر البرابنتي وموسى بن ميمون. وأصبح العقل والتجربة والإنسان ثلاثة دعائم للحضارة الأوروبية الحديثة بفضل الثقافة الإسلامية. فلماذا يضج الأوروبيون الآن بالإسلام والمسلمين؟ يتذكرون مآذنهم، وهي فن معماري أصيل، وينسون علومهم وفلسفاتهم التي كونت حضارة أوروبا الحديثة. إن الهجرات العربية والإسلامية من الجنوب والشرق إلى الشمال والغرب حركة طبيعية للبحث عن العمل والعلم في حضارة قامت على التعددية. وأميركا نفسها أقوى دولة في العالم وأغناها، قامت على الهجرات إليها، وأستراليا ونيوزيلاندا وأميركا الجنوبية مثلها. قد يحمل المهاجرون الجدد باسم الإسلام ثقافة جديدة تساهم في حل أزمة الحضارة الغربية، وتعطيها قيماً جديدة وهي في آخر مرحلة لها بعد خمسة قرون. وإلا فما معنى حوار الحضارات وحوار الثقافات وحوار الأديان الذي يرفع شعاره الأوروبيون؟ كنا جزءاً من الغرب عبر التاريخ وما نزال، عبر العلم قديماً ورأس المال حديثاً. وكان الغرب جزءاً منا قديماً، اليونان، وحديثاً، فرنسا. فلماذا العداء بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط حتى ولو كان الطريق إلى تحريم المآذن هو الاستفتاء الشعبي؟ إن الديمقراطية وسيلة لا غاية. وقد تصبح أداة لتشريع التسلط والقهر كما حدث في النازية وكما يحدث الآن في الصهيونية إن لم ينظمها نسق من القيم الإنسانية العامة تحافظ على وحدة الروح في التاريخ.