يبدو أنه من أهم الأسئلة التي تطرح نفسها خلال العام الجديد 2010؛ هل سيتمكن الفلسطينيون والإسرائيليون من عقد اتفاق سلام على الرغم من المقارفات الإسرائيلية المتصاعدة ضد الشعب الفلسطيني؟ الحصار الخانق، والحواجز العسكرية، والاعتقالات، والاغتيالات... مستمرة، مع تسارع في وتيرة الاستعمار (الاستيطان) واعتداءات "المستوطنين"، وأخيرا وليس آخرا تكثيف عملية تهويد القدس. وبالنظر إلى حجم ونوع الاعتداءات الإسرائيلية، ها نحن نعود ونتساءل: ما جدوى دعوات البعض لاستمرار العملية التفاوضية في ظل كل هذه المقارفات؟! فردود الفعل الإسرائيلية على كل ما سبق كان الاستهتار الذي وصل حد الصفاقة، وهو في حقيقة الأمر موقف نابع من رؤية استراتيجية لدى الائتلاف الإسرائيلي اليميني الحاكم الذي يؤمن أن "مكافحة الإرهاب" واستمرار الاستيطان مقدّمان على عملية السلام. ومن الطبيعي، أن التفاوض في ظل هكذا وضع، يخلق ظلالا سلبية على مسار التفاوض والقضية معاً. كما أنه لم يعد بالإمكان التنازل أكثر، فالدول العربية التزمت بدور إيجابي في صنع السلام من خلال تبنيها مبادرة عربية تحقق السلام العادل والشامل وتحقق مصالح طرفي الصراع في الشرق الأوسط ولا تنتقص من حقوق الفلسطينيين، ومع ذلك، وبالرغم من كل شيء، لم تتخل إسرائيل عن فكرة تأبيد الاحتلال وإخضاع الشعب الفلسطيني. فحكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف ليست في وارد التوصل لاتفاق سلام حقيقي مع الفلسطينيين. لذا فمن نافل القول إن الفصائل، سواء تلك المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير أو تلك التي لا زالت خارجها، ودون تنسيق مسبق، اتفقت على أن الرؤية الحالية تكمن في المقاومة الشعبية، وذلك بعد أن عززت نضالات "بلعين" وأخواتها (البلدات والقرى المنخرطة في المقاومة) هذه الرؤية وسبل الارتقاء بفعالياتها مستقبلا عبر مشاركة جميع القوى والهيئات الوطنية. في مقال بعنوان "إسرائيل تخشى الكفاح الشعبي"، تقول الصحفية الإسرائيلية البارزة (عميرة هاس): "هناك وثيقة داخلية لم تسرب، وربما حتى لم تكتب، لكن جميع القوات (الإسرائيلية) تعمل بوحي منها: الشاباك والجيش وحرس الحدود والشرطة والقضاة المدنيون والعسكريون. لقد عرفت العدو الحقيقي الذي يرفض الاختفاء وهو الكفاح الشعبي للاحتلال. وقد زيدت في الأشهر الأخيرة جهود قمع هذا الكفاح. والهدف فلسطينيون، وإسرائيليون -يهود، لا يتخلون عن حق مقاومة نظام الفصل الديمغرافي والتفوق اليهودي. والوسائل: تفريق المظاهرات بسلاح حي، ودهم عسكري ليلي، واعتقالات جماعية". وتضيف الصحفية الإسرائيلية: "إن هدف القمع المنسق هو إرهاق النشطاء وصد منضمين آخرين للنضال المدني الذي أثبت جدواه في بلدان أخرى في عصور أخرى. إن الخطر في الكفاح الشعبي هو إنه لا يمكن أن يسمى إرهابا وأن يستعمل ذريعة لتعزيز نظام الحقوق الزائدة كما فعلت إسرائيل في العشرين سنة الأخيرة. ويدل النشاط الشعبي، حتى لو كان ضيقاً، على أن الجمهور الفلسطيني يستخلص الدروس من الأخطاء ويقترح بدائل يضطر حتى كبار قادة السلطة الفلسطينية إلى تأييدها على نحو معلن على الأقل". وبالفعل، فإن كل الفصائل وعلى رأسها "فتح"، أكدت على ضرورة الكفاح الشعبي حين دعت في بيان بذكرى انطلاقتها: "إلى تصعيد الكفاح الشعبي المقاوم للاحتلال الإسرائيلي من خلال التظاهرات والتحرك الدبلوماسي". وأضافت الحركة: "لقد شدد برنامجنا على المهام الكفاحية في هذه المرحلة ورسم لها خطين أولهما تصعيد الكفاح الشعبي المقاوم للاحتلال مقتديا بنموذج بلعين ونعلين، وتعزيز التحرك على المستوى الدولي لملاحقة إسرائيل وعزلها دوليا، وإرغامها على الاستجابة للشرعية الدولية". ويكفي أن "يوفال ديسكين"، رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية العامة "الشاباك"، و"عاموس يدلين"، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (آمان)، أعلنا قلقهما حيث قالا في تقرير استخباري للحكومة الإسرائيلية إن "الفلسطينيين يريدون الاستمرار في بناء دولة من الأسفل... وأن يفرضوا على إسرائيل تسوية من الأعلى... إن الهدوء الأمني في الضفة الغربية وحقيقة أن السلطة تعمل في مواجهة (الإرهاب) بنجاح، جعلت الجماعة الدولية تتجه إلى إسرائيل وتطلب تقدماً سياسياً". لقد بات وضع القضية، والصراع مع إسرائيل، يقتضي البدء فورا بحملة تعبوية فلسطينية (بل وعربية) شعبية، هدفها الوصول إلى دعم المجموعات الشعبية والمنظمات الدولية المؤيدة للشعب الفلسطيني التي تطلق المظاهرات والفعاليات في مجتمعاتها، حتى يؤكد الجميع للاحتلال قدرة الشعب الفلسطيني (والأمة العربية) على ابتداع أساليب وطرق وغايات حضارية جديدة توصله للنهايات السعيدة. و"بلعين" وأخواتها (من البلدات والقرى المقاومة) أثبتت، من خلال استمرارية نضالها طوال الأعوام الأربعة الماضية، قدرة الإنسان الفلسطيني (والعربي) على رفض الواقع الظالم والمظلم، وقدرة ذلك الإنسان على مقاومة الاحتلال بالطرق السلمية، وهو النضال الذي يستقطب كل يوم أنصارا جددا لخيار المقاومة السلمية في أوساط الشعب الفلسطيني، فضلا عن قدرة أساليب الكفاح السلمية على حشد دعم عربي ودولي في مواجهة العنصرية الإسرائيلية وإماطة اللثام عن وجهها القبيح. ومع تأكيدنا على ضرورة الحذر من الوقوع مجدداً في فخ المفاوضات (غير المحكمة الأهداف والأساليب) التي استغلتها الحكومة الإسرائيلية للتغطية على نشاطاتها "الاستيطانية"... ندعو إلى ضرورة التمسك بما أقره المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية بخصوص "تمسكه الكامل والثابت بوقف الاستيطان الإسرائيلي في القدس ومحيطها وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل أي حديث عن استئناف جديد للمفاوضات مع إسرائيل، كذلك على تحديد مرجعية وفق قرارات الشرعية الدولية للمفاوضات وتحديد سقف زمني لها وبحدود عام 1967 حدودا للدولة الفلسطينية وبالقدس الشرقية كجزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967". ختاما، بات واضحا وجود مؤشرات على توفر بعض مقومات لحظة انتفاضية جديدة لعلها تتفاعل وتختمر وتعبر عن ذاتها عبر عدة هبات جماهيرية شعبية تتوالى ضد الاحتلال بل وحتى، ربما، ضد الانقسام الفلسطيني الداخلي. ومن نافل القول، تأكيد حقيقة أن استمرار هذا الانقسام هو "كعب أخيل" الحركة الوطنية الفلسطينية، والذي لن تقوم لها قائمة طالما ظل قائماً يفعل فعله بالقضية!