عرضنا في المقال السابق لمسألة الهوية في الفكر الأوروبي، وفي هذه المقالة سنحاول إبراز تطور مفهوم الهوية، وبالتالي العلاقة بين الأنا والآخر، في الفكر العربي الإسلامي، فنقول: مفهوم "الآخر"، بالمعنى الأوروبي الذي شرحناه في مقال الأسبوع الماضي، مفهوم أجنبي عن اللغة العربية (منقول إليها في الوقت الحاضر)، ونقصد بذلك أنه لم يكن يستعمل قديماً في مقابل "الأنا"، وإنما كان يستعمل في معنى "أحد الشيئين"، دونما أفضلية: "رجل آخر، وثوب آخر" (آخر= أأخر، على وزن أفعل، والأنثى: أخرى). واللفظ العربي القريب من مفهوم "الآخر"، بالمعنى الأوروبي، هو "الغير" والجمع "أغيار"، مع هذا الفارق وهو أن "الغيرية" في الفكر العربي الإسلامي لا تعني أكثر من مجرد "الاختلاف"، مع التأكيد على أنه مهما اتسع الاختلاف وتعمق بين الأغيار، فـ"الغير" لا ينظر إليه على أنه ضروري للوعي بالذات، (ضروري لـ"الأنا")، كما رأينا في الفكر الأوروبي. إن "الغيرية" في العربية تقع على مستوى الصفات فحسب ولا ترقى إلى مستوى الجوهر كما في اللغات الأوروبية. نقرأ في معاجم اللغة العربية: "غَيْرٌ: من حروف الـمعانـي، تكون نعتاً فيوصف بها ويستثنى..."، وتكون بمعنى لا، وبمعنى ليس، وبمعنى سوى، كما تكون اسماً يفيد معنى مجرد الاختلاف، تقول: مررت بغيرك وهذا غيرك... هذا على مستوى اللغة، أما على مستوى المفهومية، أو التصور المجرد، فمعنى "الغيرية" في المرجعية العربية الإسلامية، على درجات، تختلف باختلاف موقف الآخرين: - وهكذا نجد موقف القرآن من "غير المسلمين" ينطلق -ابتداء- من النظر إليهم، لا بوصفهم "الآخر" بالمعنى الأوروبي للكلمة، بل بوصفهم أغياراً مختلفين، سيفصل الله بينهم يوم القيامة. يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا (المسلمون)، وَالَّذِينَ هَادُوا (اليهود)، وَالصَّابِئِينَ، وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوسَ، وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (الحج 17). - وعندما أصبح الجوار والعلاقات الاجتماعية والسياسية والدينية المختلفة تستدعي إقامة نوع من التفاضل بين هؤلاء الأغيار، خاصة الساكنين في الجزيرة العربية، اعتبر القرآن النصارى، في مرحلة من مراحل تاريخ علاقة الدعوة المحمدية بهم (نصارى الحبشة مثلا)، أقرب مودة إلى المسلمين من اليهود والمشركين: "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا: الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى. ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ" (المائدة 82). وفي هذا الإطار يدخل تبشير القرآن للروم (البيزنطيين، المسيحيين) الذين انهزموا أمام عدوهم الفرس، بأن النصر سيكون حليفهم في المعركة المقبلة. قال تعالى : "الم، غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ (قريباً من المدينة)، وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ (بعد أن غُلِبوا) سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ. يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (الروم 1-5) - ثم لما دخل فريق من عرب سكان المدينة المسلمين في علاقات مودة وتحالف مع اليهود، علاقة انكشف من خلالها أن ما يبطنون هو خلاف ما يظهرون وأنهم في الحقيقة يدينون لهم بـ"الولاء" (فسموا بالمنافقين)، لما حدث هذا برزت الحاجة إلى رسم الحدود بين المسلمين الصادقين من جهة، واليهود والنصارى والمنافقين من جهة أخرى، فظهر نوع جديد من الغيرية يؤكد على الانفصال بين هؤلاء وأولئك، كما في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (المائدة 51). - وترتفع درجة الاحتكاك، من مجرد احتكاك التساكن داخل المدينة الواحدة (مدينة الرسول) إلى التصادم بين دولة صغرى ناشئة ودولة كبرى قائمة ذات مصالح اقتصادية واستراتيجية في المجال الذي تتحرك فيه الدولة الوليدة. وهكذا فبمجرد ما رأت الإمبراطورية البيزنطية (الروم) أن الإسلام لم يعد مجرد حركة محلية، وأنه صار دولة تهدد مصالحها في المنطقة، بادرت إلى التضييق عليها واستفزازها فكان الرد بالمثل من خلال "غزوة مؤتة" التي قاتل المسلمون الروم فيها ونالوا منهم ثم رجعوا إلى المدينة. ثم جاء بعد ذلك فتح مكة، التي كانت مركزاً تجارياً عالمياً، فازدادت مخاوف الروم على مصالحهم التجارية والاستراتيجية فجهزوا جيشاً من أجل اقتحام مكة وانتزاعها من الدولة الجديدة، دولة الإسلام. وكان الرد أن جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً يستبق به هجوم الروم بـ"غزوة تبوك". ولما علم هرقل بذلك انسحب بجيشه إلى وراء فلم يقع قتال... - وأخيراً، عندما عاد النبي عليه الصلاة والسلام من تبوك ووجد أن مشركي قريش قد نقضوا المعاهدات التي كان قد أبرمها معهم من قبل، جاءت سورة "براءة" (التوبة) لتقرر "غيرية" أخرى إزاء هؤلاء المشركين، وأيضاً إزاء اليهود والنصارى الذين كشفوا عن وجوههم كأعداء للدعوة المحمدية. إنها "غيرية البراءة"، وهي غيرية عبر عنها القرآن في غير ما آية من السورة المذكورة. من ذلك قوله تعالى: "وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، ذلك قولهم بأفواههم، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، قاتلهم الله، أنّى يؤفكون" (براءة/التوبة 31)، وهكذا نرى أن الغيرية هنا قد تجاوزت مستوى الاحتكاك والمصالح الاستراتيجية إلى مستوى الهوية (التوحيد): لقد ألحق القرآن اليهود والنصارى بالمشركين لكونهم جعلوا لله "ابناً" مثلما جعل مشركو العرب من أصنامهم، اللات والعزى ومناة، بناتٍ لله. وبعد فقد بينا في المقال السابق أن مفهوم الهوية في الفكر الأوروبي مؤسس على موقف فلسفي قوامه أن مفهوم الهوية يعني من الناحية المنطقية كون الشيء يبقى هو هو (ا=ا) وأنه بالتالي لا يمكن أن يكون هو وغيره في نفس الوقت (لا يمكن أن تكون ا= لا ا)، وهذا ما يعبر عنه بمبدأ الثالث المرفوع، أي استبعاد الوسط بين الشيء وضده. ومع أن هذا التصور المنطقي الذي ينسب إلى أرسطو قد انتقده وأبطله بعض الرياضيين والفيزيائيين في العصر الحديث/المعاصر، فإن الفكر الفلسفي الأوروبي قد احتفظ به، على الأقل، فيما يخص "الهوية" التي تعني عنده مطابقة "الأنا" لنفسها مطابقة لا تتم إلا عبر "الآخر" (الغير)، أي عبر نفيه. أما في الفكر العربي الإسلامي فالأمر يختلف، فمبدأ الـ"هو هو"، أو (ا=ا)، لا ينطبق إلا على الله سبحانه، فهو وحده من لا مثيل له ولا شريك. ولا يحتاج تصور وجوده إلى وسيط بينه وبين العالم، فوجود العالم دليل على وجوده. أما على المستوى البشري فـكل من "الأنا" و"الآخر" مفهوم متحرك كما رأينا. وبالتالي فالمسافة بينهما ليست من جنس الإثبات المطلق أو النفي المطلق، بل هي من جنس "أقرب" و"أبعد": "أقرب مودة" أو "أشد عداوة". وللمقال صلة.