خلال السنوات القليلة الماضية شهدت ظاهرة العنف الأسري اهتماماً متزايداً من الجهات التشريعية والتنفيذية، ومن المنظمات الحكومية والاجتماعية، في ظل إدراك حقيقة خطورة هذه الظاهرة وإمكانية اختراقها للفروق الطبقية والدينية والاجتماعية والثقافية، وانتشارها في جميع الدول والمجتمعات دون استثناء، وهو ما يأتي على خلفية من اتساع تعريف هذه الظاهرة، وشمولها لجوانب متعددة لم تكن تندرج سابقاً تحت المفهوم العام للعنف، كالإيذاء النفسي مثلا، أو لم تكن سابقاً تشمل بعض الضحايا، كالرجال مثلا، نتيجة معتقدات ثقافية خاطئة بأن العنف الأسري لابد وأن يتضمن إيذاء بدنياً، أو أن ضحاياه هم من النساء فقط. وعلى صعيد الإيذاء النفسي، شرعت بعض الدول كفرنسا مثلا في منع تبادل الإهانات بين الزوجين أثناء المشادات الزوجية، مما قد يؤدي إلى حصول المعتدي باللفظ على سجل إجرامي. ويتضمن مشروع القانون الذي تسعى الحكومة الفرنسية حالياً إلى تمريره على ثلاث درجات من العقوبات يترك تحديدها لقرار القاضي وهي الغرامة المالية، أو الأمر بعدم الاقتراب من الشخص الآخر لمسافة لا تقل عن 100 متر مثلا، أو الحكم بالسجن. ويغطي هذا القانون صراخ الزوج في وجه زوجته، أو سب الزوجة للزوج، وإن كان ليس من الواضح ما إذا كان القانون المقترح سيغطي التصرفات النكدية، وكثرة الشكوى، والتذمر والتبرُّم. وإن كان من الأكيد أنه سيشمل أية إهانة بما في ذلك تكرار الملاحظات الوقحة عن شكل أو جسد الطرف الآخر، أو الاتهامات بالخيانة، أو التهديد باستخدام العنف البدني، بالضرب مثلا. ويزعم المناصرون لهذا القانون الفريد حتى الآن بين جميع دول العالم أنه سيسمح للمجتمع بالتعامل مع الحالات التي لا يؤدي فيها العنف الأسري إلى جروح وإصابات ظاهرة، على رغم أنه يترك ندوباً وجروحاً على نفسية الشخص المتلقي للإيذاء النفسي، وخصوصاً في الحالات التي تتميز بإيذاء لفظي أو نفسي متكرر ومزمن. وتظهر الدراسات الطبية أن الأشخاص الذين يتعرضون للعنف أو الإيذاء النفسي يلازمهم شعور بفقدان احترام الذات، أو التحكم في المصير، مما يدفعهم للاكتئاب، ما يزيد من خطر شعورهم بأفكار انتحارية، أو اضطرابات في الأكل، أو إدمان المخدرات، أو شرب الكحوليات، أو التدخين بشراهة. وهذه السيناريوهات تلاحظ بشكل أكبر بين النساء والأطفال الذين يتعرضون للإيذاء النفسي، وإن كان لا يسلم منها الرجال أيضاً، وخصوصاً أن تعريف الإيذاء النفسي لا يقتصر على السب اللفظي أو التهكم والتحقير فقط، بل يمتد إلى الأفعال التي تسبب الضيق والإحراج والإهانة للطرف الآخر، سواء كان ذلك أمام آخرين أو خلف أبواب مغلقة. ولكن على رغم منطقية هذا التفكير إلا أن المعارضين للقانون السابق يرون استحالة تطبيقه في الواقع العملي، فغالباً ما تقع الإهانات اللفظية والتراشق الكلامي بين الزوجين خلف أبواب مغلقة مما يجعل من الصعب على القاضي تحديد مصداقية حجة المدعي أو المدعى عليه. كما أن أفراد الشرطة والسلك القضائي لن يجدوا متسعاً من الوقت للدخول في منازعات زوجية تعود جذورها لشهور وسنين في وقت يغرقون فيه جميعاً في سيل من الجرائم الأخرى الأكثر خطورة على أمن المجتمع. ويدحض المدافعون عن هذا القانون تلك المخاوف بزعمهم أن القانون المقترح سيمنع على الأقل الإيذاء النفسي واللفظي أمام شهود آخرين، وسيبعث برسالة إلى الجميع بأن الإيذاء النفسي يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون، إذا ما تم إثباتها. والجانب الآخر من العنف الأسري الذي لا يحظى بقدر كبير من الاهتمام أيضاً هو ذلك الموجه من المرأة ضد الرجل، فحسب بعض الدراسات يتسبب الرجال في إيذاء بدني أو ضرر جسدي للنساء بمعدلات أكبر، وإن كان الجنسان يتساويان في عدد مرات العنف الموجه ضد الطرف الآخر، وربما قد تزيد مرات العنف الموجه من النساء ضد الرجال. أي أن النساء قد يكنّ على القدر نفسه من العنف ضد الرجال، ولكن بسبب الفارق في القوة البدنية فقط قد تتسبب نوبات عنف الرجال في إصابات أكبر للنساء. وإذا ما اقتصرنا الحديث على نوبات العنف والإيذاء اللفظي وحدها فربما تتفوق النساء على الرجال بمراحل، وخصوصاً إذا ما أدرجنا التذمر الدائم، والشكوى المستمرة، والإهانات المستترة. وهذا ما تظهره دراسة أجراها مركز التحكم في الأمراض والوقاية في الولايات المتحدة، حيث أقرت 70 في المئة من النساء بقيامهن بالهجوم البدني على الأزواج من جانب واحد، وهو رقم يمثل أكثر من ضعف ما أقر به الرجال الذين بلغ معدل عنفهم البدني من جانب واحد تجاه زوجاتهم نسبة 29 في المئة فقط، وإن كانت النساء في جميع الحالات هن الأكثر عرضة للتعرض للإصابة بغض النظر عمن بدأ بالعنف ضد الآخر. إن مثل هذه الدراسات والنتائج تظهر مدى تعقيد قضية العنف المنزلي والأسري وتضمنه للعديد من المفاهيم والمعتقدات الخاطئة، ليس فقط في أنواعه، بل أيضاً في مسؤولية الجنسين عن وقوعه، وعن نتائجه. فبخلاف العنف البدني، والإيذاء اللفظي والنفسي، يشمل العنف الأسري أيضاً أنواعاً أخرى، مثل العنف الجنسي، والإيذاء الاقتصادي، والعنف ضد بقية أفراد الأسرة بخلاف الزوج أو الزوجة، مثل العنف ضد الأطفال، أو الأبوين. وهذه كلها جوانب جعلت من العنف الأسري، ومنذ المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في عام 1993، إحدى أهم القضايا الاجتماعية الدولية بسبب تبعاتها الصحية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية الخطيرة، على الجنسين، رجالا ونساء.