هبَّة التضامن الدولية فرصة لهايتي... ومستقبل المعركة بين "الصينترنت" والإنترنت! تعقيدات إصدار قانون حظر النقاب في فرنسا، ومظاهر وخلفيات المأساة في هايتي، والموقف الفرنسي من المواجهة بين التنين الآسيوي (الصين) والتنين الافتراضي (غوغل)، موضوعات ثلاثة استقطبت اهتمام كتاب افتتاحيات وصفحات رأي الصحف الفرنسية. عودة السجال حول النقاب صحيفة لوموند رصدت عودة الحديث مجدداً في فرنسا حول إمكانية إصدار قانون يحظر على النساء ارتداء البرقع أو النقاب في المجال العام، وذلك على خلفية مساعٍ يبذلها بعض مشرعي الحزب الحاكم "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية"، على رأسهم جان- فرنسوا كوبيه رئيس فريق الحزب في الجمعية الوطنية، الذي تحدث هذا الأسبوع عن دعم قوي من رئيس الوزراء فرانسوا فيون لجهود الحزب في هذا الصدد. وينص مشروع القانون الذي أعدته لجنة داخلية في الحزب، وتم تسريب قصاصات منه، على "منع ارتداء الملابس أو مكملات الزي التي تهدف إلى إخفاء الوجه في الأماكن المفتوحة للعموم، وعلى الطريق العام". ولا يستبعد بعض المشاركين في لقاء جرى مؤخراً بين ساركوزي وبعض مسؤولي حزبه أن يعارض الرئيس إصدار قانون ملزم في هذا الشأن. وفي هذه الأثناء يجري إعداد نصوص القانون لطرحها في جلسة عامة نهاية شهر مارس المقبل. والحال أن مشروع قانون منع النقاب أحدث بالفعل انقساماً في صفوف الحزب الحاكم، هي ما يحاول رئيس الوزراء التغلب عليه بإعادة تأويل تصريحات ساركوزي التي قال فيها "إن البرقع غير مرحب به في فرنسا"، بأنها موافقة ضمنية على ضرورة منعه. غير أن رئيس الجمعية الوطنية برنار أكوييه، وهو من الحزب الحاكم أيضاً، لا يخفي تحفظه على إصدار قانون ملزم، لأن إصدار تشريع غير صلب، ستكون نتيجته الحتمية هي الإلغاء والنقض من قبل المجلس الدستوري أو المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وفي السياق ذاته تساءل أيضاً الكاتب لوران جوفرين في افتتاحية صحيفة ليبراسيون قائلا: مَن يدافع اليوم عن النقاب في فرنسا؟ مجيباً: لا أحد، بالطبع، زاعماً أن هذه الظاهرة تتنافى، جملة وتفصيلاً، مع قيم الجمهورية. غير أن إصدار قانون بالمنع الكامل للنقاب ليس هو الحل في نظره، فبالإضافة إلى الهشاشة التشريعية التي سيتسم بها تدبير من هذا القبيل، فهو أيضاً سيفسر على نطاق واسع باعتباره شكلاً من أشكال الخوف من الإسلام، وتمييزاً بحق مسلمي فرنسا، الذين تتبنى أغلبيتهم الساحقة أنماطاً معتدلة ومسالمة من التدين. ولعل الموقف الذي عبر عنه دليل أبوبكر، عميد مسجد باريس، ومحمد الموساوي من المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، هو الأكثر واقعية، حيث قالا "نعم" لإصدار البرلمان لتشريعات ضد التطرف، ولكن "لا" للمنع الكامل للنقاب. هايتي: اللعنة تحت هذا العنوان كتب بيير روسلين افتتاحية في صحيفة لوفيغارو قال في بدايتها إن محن الطبيعة ألقت بكامل مصائبها على ذلك البلد الذي يعد أحد أكثر البلدان فقراً وبؤساً على وجه هذا الكوكب، حيث يعيش 80 في المئة من السكان تحت خط الفقر، وعلى قرابة دولارين فقط في اليوم. وزيادة في النحس شاءت الصدف أن يكون مركز زلزال الثلاثاء المدمر في مكان لا يبعد سوى بضعة كيلومترات من العاصمة حيث ضرب الخاصرة الرخوة والموقع الأكثر هشاشة في تلك الجزيرة الكاريبية، وأصابها في مقتل. ذلك أن العاصمة المنكوبة "بور أو برنس"، مثل بقية المدن الكبيرة في هايتي، تعاني منذ عقود من انفجار سكاني خارج عن السيطرة، حيث تتفشى أحياء الصفيح، والأحياء العشوائية، التي لا تتوافر على الحد الأدنى من شروط السلامة الحضرية. ولاشك أن المشهد المؤثر للقصر الرئاسي المتهاوي على عروشه كقلعة من ورق يرمز ببلاغة شديدة لمحنة ذلك البلد. فبعد ما تجرع ثلاثة عقود من ديكتاتورية الطاغية "دوفالييه"، مع ما تلا ذلك من قلاقل وانقلابات، تجرع أيضاً مرارة سنوات حكم "أرستيد"، لتنفتح عليه بعدها دوامة من الصراعات وعدم الاستقرار، لم تهدأ وتيرتها نسبياً إلا بإشراف من الأمم المتحدة. غير أن هذا لم يفد الجزيرة الكاريبية في مواجهة كوارث الطبيعة، ومصائبها التي لا تأتي هناك فرادى. ففي سنة 2008 وحدها اجتاحت هايتي أربعة أعاصير مدمرة، وهي السنة ذاتها التي عاشتها البلاد على وقع اضطرابات تظاهرات الجياع العنيفة. واعتبر الكاتب في نهاية افتتاحيته أن تعبئة المجتمع الدولي الحالية لمساعدة هايتي في محنتها، تستلزم منه توفير كل شيء لسكان ذلك البلد الذين لم يدخر لهم النحس يوماً سوى أسوأ ما في جعبته. والأولوية الآن ينبغي أن تكون لإنقاذ الأرواح البشرية، وإيجاد نظام صحي للتصدي للظروف الطارئة ولو في الحدود الدنيا. غير أن التحدي الأكبر والأبعد يبقى جاثماً مع ذلك على الصدور، فهايتي لا ينبغي أن تبقى إلى الأبد في أحوالها البائسة تلك، ولا يمكن أن تبقى معتمدة على الدعم الدولي وحده، وهي لا تكاد تودع كارثة طبيعية إلا لتستقبل أخرى أشد منها وأدهى. ولذا فإن زلزال "بور أو برنس" المدمر وهبَّة التضامن الدولية التي أعقبته يمكن أن يوفرا فرصة ثمينة لإحداث منعرج حاسم ومصيري في تاريخ ذلك البلد الذي يستحق أن ينال نظاماً سياسياً واقتصادياً قادراً على البقاء وعلى النفاذ من قبضة اللعنات المزمنة، والنحوس الطوالع. أما الكاتب باتريك آبل- مولر فقد كتب افتتاحية لصحيفة لومانيتيه وصف في مطلعها مشاهد مروعة مما جرى ويجري في "الجزيرة المدمرة، حيث الجثث ملقاة ومهملة في الشوارع، والناجون الهائمون وقد غطى وجوههم البياض بفعل الغبار الكثيف المنبعث من المباني المهدمة، يتخبطون حاملين بين أذرعهم جثث الأطفال الصرعى". ولكن من المسؤول عما جرى؟ ليست الطبيعة وحدها، بل يعتبر الكاتب -الشيوعي- أن العولمة الرأسمالية هي السبب الأول والأخير، ففي هايتي بالذات تظهر أشد شروخ اللانظام العالمي نشازاً وبروزاً، والمؤسف أكثر من هذا أن أهداف الألفية التي كان يمكن أن يستفيد منها فقراء العالم مثل هايتي انتهى بها الأمر عند الدول الكبرى وقادتها إلى سلال النسيان. وبالإيقاع الحالي لن تتحقق طبعاً تلك الأهداف من هنا وحتى سنة 2015، كما حلم الحالمون. تجاذب بين الصين وغوغل تهديد شركة غوغل الأميركية بالانسحاب من السوق الصينية على خلفية اتهامات لجهات الرقابة والضبط هناك باختراق خوادمها للتجسس على اتصالات نشطاء حقوقيين صينيين استقطب اهتمام العديد من كُتاب افتتاحيات الصحف الفرنسية، الذين تبنوا -كما يمكن أن نتوقع- رواية عملاق محركات البحث وعبروا بقوة عن تأييدهم لموقفه. صحيفة لوموند كتبت افتتاحية عن هذا التطور قالت فيها إن من النادر أن تجازف الشركات الصناعية الكبرى بتعريض مصالحها التجارية للخطر في سبيل ما تعتبره مبادئ. ولذا تستحق غوغل التحية على موقفها الأخير، تقول لوموند. وبالنسبة للشركة يعد هذا تحولا استراتيجياً كاملاً، وخاصة أن إغراءات وضع رجل في سوق الصين العظيمة كانت قد دفعت غوغل سنة 2006 بقبول وضع حدود سياسية لمحرك بحثها هناك. غير أن الوضع لم يعد يطاق الآن حسب الشركة. بل إن هنالك انطباعاً عاماً اليوم في صفوف غوغل بأن حيثيات المقايضة الضمنية التي عقدتها مع بكين عام 2006 لم تكن مناسبة. وتدعو لوموند الشركات العملاقة الأخرى مثل ياهو ومايكروسوفت لاتباع مقاربات شبيهة. إلا أن الصين ليس لديها ما تخشاه في هذا الصدد، فعندها هي أيضاً شركاتها العملاقة في مجال الإنترنت وتنتابها رغبة قوية في إحكام السيطرة على فضائها الافتراضي، مهما كلف ذلك. وبدلا من عالم الإنترنت المفتوح والمعولم يبدو أنها تفضل ما سماه الخبير الأميركي "زياو كيانج" بنمط "الصينترنت". وفي معركة "الصينترنت" و"الإنترنت" لا شيء مؤكد، سوى أنه لا أحد يتمنى أن يكتب الفوز للأولى. إعداد: حسن ولد المختار