الحجة الرئيسية التي تدفع بها الحكومة البريطانية لتعليل وجود 10 آلاف من جنودها في أفغانستان هي أنه إذا عاد هؤلاء الجنود إلى بريطانيا اليوم، متبوعين بقوات أخرى من دول "الناتو" من دون شك، فإن الحكومة الأفغانية في كابول، التي تفتقر إلى التأييد الشعبي وتعاني الفساد، سيُطاح بها عاجلا أو آجلا، وسيتلو ذلك صعود لمتطرفي "طالبان" إلى مقدمة المشهد مرة أخرى. وستوجَّه الدعوة إلى عناصر "القاعدة" من أجل القدوم مجدداً، وسرعان ما ستقوم هذه الأخيرة بتنظيم عمليات الموت والدمار في شوارع المدن البريطانية. شخصياً، أعتقد أن هذا سيناريو ممكن بشكل عام. وعلى مدى عدة أشهر كانت ثمة تقارير موثوقة تفيد بأن "القاعدة"، التي تلاحقها الطائرات الأميركية من دون طيار المزودة بكاميرات وقنابل موجهة بالليزر، قد انتقلت إلى مراعٍ جديدة بعد أن أضحى إقليم الحدود الشمالية الغربية في باكستان خطيراً بالنسبة لعناصر "القاعدة" عقب الضربات المنسقة التي قام بها الجيش الباكستاني، حيث فر بعضهم إلى المدن الباكستانية الكبيرة (كويتا، بشكل خاص، يشار إليها كثيراً في هذا الإطار) حيث يمكنهم تفادي الرصد الجوي. ومن المعلوم أيضاً أن مقاتلين آخرين من "القاعدة" شدوا الرحال إلى دول مثل اليمن والصومال، بل وحتى مالي بغرب إفريقيا. ولذلك، فثمة مؤشرات مخيفة على أنه في وقت تبلغ فيه الحرب في أفغانستان -حيث لقي 100 جندي بريطاني مصرعهم في 2009- مستوى جديداً من القوة والاحتدام، فإن منطقة القرن الإفريقي تُظهر مؤشرات على التحول إلى ما يشبه أفغانستان أخرى. وبالطبع، فإن الحكومة البريطانية تدرك هذا الأمر جيداً، إلا أنه من السهل فهم لماذا كان من الأفضل تجاهل تحركات خطر "القاعدة"، في وقت لم يكن من المؤكد أن يتم تحقيق تقدم في أفغانستان هذا العام، وذلك قبل أن يتصدر الشاب النيجيري عمر فاروق عبدالمطلب الصفحات الأولى للصحف عبر العالم. ينحدر عمر عبدالمطلب هذا من عائلة نيجيرية مرموقة، فوالده مصرفي كبير ووزير سابق في الحكومة النيجيرية. وقد كان عمر يتمتع بما يكفي من الذكاء للحصول على مقعد بجامعة "يونيفرسيتي كوليدج" في لندن؛ وحين كان طالباً هناك، انتُخب رئيساً للنادي الإسلامي بالجامعة. ومنذ ذلك الوقت، عُرف الشاب النيجيري كطالب مجتهد وشاب يتمتع بمظهر جيد وجاذبية كبيرة. ولكنه في يوم عيد الميلاد، ركب طائرة في امستردام مُخفياً المتفجرات في ملابسه الداخلية، وحاول تفجير الطائرة حين اقتربت من مطار ديترويت. وقد تبنت منظمة في اليمن تابعة لـ"القاعدة" مسؤولية انتقائه وتدريبه لهذه المهمة التي كانت يمكن أن تخلف مئات القتلى. في هذه الأثناء، قال وزير الخارجية اليمني أبوبكر القربي لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" إنه يتوقع أن يكون عدد مقاتلي "القاعدة" في بلاده ما بين 200 و300 شخص، مضيفاً أن حكومته تحتاج إلى مساعدة مالية واستخبارية من أجل إزالة التهديد الذي يطرحه الإرهاب. وقال المسؤول اليمني: "إننا في حاجة إلى مزيد من التدريب؛ وعلينا أن نقوم بتوسيع وحداتنا المختصة في محاربة الإرهاب، وهذا يعني تزويدها بالتدريبات الضرورية والمعدات ووسائل النقل العسكرية. والواقع أن الولايات المتحدة تستطيع أن تفعل الكثير، وبريطانيا تستطيع أن تساهم بقوة، والاتحاد الأوروبي يستطيع أن هو أيضاً أن يكون شريكاً بهذا الخصوص". وفي الأول من يناير، صدر عن رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون رد سريع إذ قال: "على المجتمع الدولي ألا يحرم اليمن من الدعم الذي يحتاجه لمواجهة التطرف". ودعا إلى اجتماع دولي رفيع المستوى في لندن في 28 من الشهر الجاري تشارك فيه أطراف دولية مهمة، وذلك إلى جانب مؤتمر حول مستقبل أفغانستان يُعقد في لندن في اليوم نفسه، وهي دعوة لقيت دعماً قوياً في ذلك من البيت الأبيض والاتحاد الأوروبي. والواقع أنني كنت دائماً أجد اهتماماً خاصاً باليمن داخل وزارة الخارجية البريطانية، وذلك لأسباب من بينها روابط بريطانيا التاريخية مع مدينة عدن بين 1839 و1967، وكذلك لأنه لطالما نُظر إلى اليمن، مثلما لمستُ ذلك شخصياً، باعتباره دولة عربية أصيلة شديدة التعقيد ومثيرة للاهتمام. غير أن الدبلوماسيين البريطانيين لن تكون لديهم أوهام بشأن صعوبة تقديم مساعدة حقيقية لليمن في 2010. ففي الشمال، يحارب المتمردون الحوثيون الشيعة الحكومةَ اليمنية، وهي حكومة يتهمها البعض بأنها غير فعالة، منذ 2005. ومنذ بضعة أسابيع، استعر القتال على الحدود السعودية - اليمنية، واضطر 25 ألف مدني إلى النزوح عن مناطقهم. وفي الجنوب توجد حركة أخرى دخلت في حالة تجاذب محسوس مع المركز. وعلاوة على ذلك، فإن بطالة الشباب مرتفعة جداً في ذلك البلد الفقير الذي يعاني من نقص الموارد المائية. يذكر أن السعودية استعملت المقاتلات وقوات برية مهمة من أجل طرد المتمردين من أراضيها عقب هجوم على إحدى دورياتها. وفي هذه الأثناء، تُنتقد دول إقليمية أخرى لما يقال عن تقديمها الدعم للمتمردين، غير أنه يتعذر التحقق من هذا الاتهام من مصادر مستقلة، وهو اتهام خطير لأنه إذا ثبتت صحته، فستكون له تداعيات كبيرة على السلام في المنطقة. ثم هناك أيضاً الخطر البديهي المتمثل في إمكانية انغماس بعض الدول الإقليمية، التي يُنظر إليها ببعض التشكك والارتياب، في مواجهات آخذة في التوسع في شمال اليمن. لقد أبدى أوباما منذ وصوله إلى البيت الأبيض اهتماماً شخصياً بأنشطة "القاعدة" في اليمن. ولكن إذا كانت واشنطن قد ألمحت لبعض الوقت إلى أن "القاعدة" قد أخذت تتلاشى في العالم، فإن خطرها يبدو لي الآن آخذاً في العودة من جديد، وعلى نحو مثير للقلق.