كلما اقترب موعد انتخاباته العامة المقررة فى إبريل القادم، أصبح السودان اليوم شغلا شاغلا، ليس لمواطنيه وحدهم وجيرانه الأفارقة فقط، وإنما أيضاً للمجتمع الدولي، وظلت المبادرات تنهال على السودانيين حتى أصبح الناس في حيرة من أمرهم! الذي يتابع التقارير والتحليلات السياسية التي تزخر بها الصحف ومراكز البحوث الاستراتيجية والسياسية والتي تكاد تتحد رؤيتها مع اختلاف الصياغات حول تقسيم السودان وانفصال الجنوب كأمر واقع لا مفر من قبوله. ولا أستثني من ذلك بعض مراكز الدراسات العربية التي كان المرء يتصور أنها أذكى من أن تقع في "الفخ"! صحيح أن السودان يواجه لحظة تاريخية خطيرة ومهمة ربما ستكون الأخطر في تاريخه الحديث... وهي لحظة تستدعي وتتطلب من السودانيين حكاماً ومحكومين اليقظة والحذر والارتفاع بممارساتهم وأفكارهم فوق المصالح الشخصية والحزبية الضيقة. لكن الصوت الأعلى هذه الأيام في وسائل الإعلام الغربية حول السودان هو صوت الانفصال، حتى أن هناك اليوم من السودانيين من يتوقع لحظة انهيار السودان وعودة الاقتتال الأهلي الذي يفترض أن اتفاق نيفاشا قد طوى صفحته نهائياً. لكن المبادرات الكثيرة التي لم ولن تنتهي إلى أمر ملموس يفيد البلد ويساعد أهله على تجاوز هذه المخاطر والمخاوف الحقيقية والمتصورة... إنما الذي يفيد السودان حقاً هو موقف دولي حازم وجاد ومخلص يقنع أطراف الصراع العبثي في السودان بأنه مثلما كانت اتفاقية نيفاشا محصلة عمل وجهد دولي بدأته مجموعة "الإيقاد" وانتهى إلى أن أصبح اتفاقا والتزاما سياسياً وقانونياً على طرفي الاتفاق (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) الالتزام به والعودة إلى الجلوس في مواجهة ممثلي المجتمع الدولي الضامنين لتنفيذه. وقد أنفقت بعض الدول ملايين الدولارات لتنفيذ البرنامج الإنمائي والسياسي لجعل وحدة السودان خياراً ذا أولوية سيتمخض عن استفتاء الجنوب حول تقرير المصير. ولا يبدو أن مثل هذا الموقف المطلوب بشدة وإلحاح أي بادرة تعبر عن التزام الأطراف الدولية التي لا غنى عن دورها. فاتفاق "الحركة" و"المؤتمر" في نيفاشا هو صناعة دولية قبلها الطرفان وليس في ذلك انتقاص من قدر جهودهما ونضالهما. ومثل هذا الموقف الجدي والمخلص والمطلوب من المجتمع الدولي، باعتباره ضامن الاتفاقية، عبر عنه مقال كتبه القس ديزموند توتو، المناضل الإفريقي من أجل السلام، والأخضر الإبراهيمي وزير الخارجية الجزائرية الأسبق والممثل الشخصي لأمين عام الأمم المتحدة في أكثر من ملحمة. توتو والإبراهيمي أصدرا نداءً مشتركا بصفتهما عضوين في "مؤسسة الحكماء"، وهي مجموعة من أبرز زعماء العالم جمعهم مانديلا، رئيس جمهورية جنوب إفريقيا الأسبق، تحت مظلة واحدة ليقدموا للعالم خبرتهم وعلمهم ومساعدتهم للوصول إلى حلول سلمية للصراعات والحروب الأهلية. قال نداء موند توتو والإبراهيمي، وقد جاء بعنوان "السودان بلد أكبر من أن يسقط"، إن دعم المجتمع الدولي كان "العامل الأهم في جمع الأطراف السودانية المعنية على مائدة واحدة عام 2005، كما كان لكثير من الدول الإفريقية المحورية دورها في ضمان الاتفاق، ونحن اليوم أحوج إلى جهود مماثلة... إن وجود الدعم الدولي المناسب هو سبيل السودان إلى التحرك خلال الأشهر المقبلة تحركا حاسما صوب تحقيق السلام وترسيخ الديمقراطية. وإذا أخفق المجتمع الدولي في مواجهة هذا التحدي، فإن الصراعات والتوترات القائمة التي كلفت البلد مئات الآلاف من الأرواح، ستكون مآلها الاستمرار والتفاقم". وهو قول صحيح ورأى سديد... وصحيح مثله الإنذار المبكر الذي وجهه أمين عام الأمم المتحدة من أن انهيار السودان ستكون له آثار وخيمة، ليس على شعب السودان أو الدول المجاورة فحسب، بل على العالم أجمع. إنه نداء جاء في وقته وأوانه، وإذا عجز زعماء وقادة السودان عن الوصول إلى كلمة سواء تجنب البلد السقوط، فعلى صناع نيفاشا وضامنيها التحرك سريعاً نحو جادة الصواب.