تساق عدد من الدوافع والأسباب التي تأخذ بعنق المرء وتحوّله إلى إرهابي يعيش حياة الكهوف والأقبية إلى أن تحين ساعة التفجير، فمنهم من يتعرض لعملية غسيل دماغ بصابون المقدّس، ومنهم من يبحث عن وسام المجد ليتوّج به شعوره بالعظمة، ومنهم من يفرّ من الفقر والشعور بالهوان، ومنهم من تعرض في طفولته لقسوة في المعاملة وانعدام الشعور بالدفء والحنان فنشأ حانقاً على كل شيء، ومنهم من هو ضحية تفكك أسري وغياب الرقابة فارتمى في حضن الإرهابيين، ومنهم من يقع ضحية للإعلام اللامسؤول والإنترنت المفتوح على الغث والسمين. وأعتقد أن هناك دافعاً مهملاً ولم يُحسب له حساب، يتمثل في تمجيد أسرة المتطرف للإرهاب والترعرع في بيت يشيد أربابه ببطولات "القاعدة" ومشروعية عملياتها. فماذا ينتظر من يافع لا يمر يوم إلا ويسمع تمجيداً من والده وقدوته في الحياة بالعمليات "الجهادية" وبأشخاص مثل بن لادن والزرقاوي؟ وماذا يُؤمل من فتى يسمع لسنوات والده وهو يتابع التلفزيون ويقول: حسناً فعلت يا أبا قتادة البصراوي، وبارك الله فيك يا أبا القعقاع الخراساني؟ وماذا يتوقع من فتى ناشئ رأى بعينيه ابتهاج أسرته عند وقوع أحداث 11 سبتمبر، ووقوف والده رافعاً قبضة يده في الهواء محيياً مجاهدي "غزوة مانهاتن"، وتحلق الأسرة حول شاشة التلفزيون وانخراطهم في عد الأشخاص الذين يرمون أنفسهم من البرجين المحترقين؟ وإذا ما ارتكبت هذه الجماعات جرائمها في البلاد الإسلامية ومزّقت أجساد المسلمين، وجد أهل بيته يتهمون جهات غربية بأنها وراء تنفيذ هذه المؤامرة الدنيئة، أو أنهم يواصلون التبرير فيقولون لا بد أن هناك أسباباً وراء ما حصل. وهذا الوالد لا يدري أن الذي يجلس بجانبه ينقش هذه الأفكار في صفحة عقله، ويحفظها عن ظهر قلب، وهو يغلي ويفور في داخله، خصوصاً إذا كان والده يصفه بالبلادة والكسل والخمول. ويشتد ارتباك الفتى حين يقارن بين ما يسمعه في المدرسة عن قصص جنود الإسلام الأوائل وشدة إيمانهم والفئة القليلة التي غلبت الفئة الكبيرة والحسرة على حال المسلمين اليوم، وبين ما يسمعه من أفراد أسرته الذين يخلعون هذه الصفات على الإرهابيين، فيقول الشاب في نفسه: ولم الحسرة والتأوّه، فالإسلام لا يزال بخير، والأبطال لا يعدمون، وأنا عما قليل سأنضم إلى هذه الكوكبة من الأبطال والشهداء؟ لا يتصور أن تدفع الأسرة بفلذة كبدها إلى التهلكة كي يكون فتيل قنبلة، لكن الذي يُتصور والذي قد يحدث أن أسرة ما تفخر بالإرهاب وتبرره شرعياً وسياسياً وإنسانياً في بعض الأحيان، ولا تدري أن هناك أطفالاً يسمعون، وأبناء يتربون على مثل هذه الأفكار والتحليلات، ولا تشعر أنه يمكن أن يقع الابن ضحية لهذه المؤثرات العدوانية والتدميرية. وينساق الابن الضحية إلى مثل تلك المقولات خصوصاً إذا لم يكن مسموحاً له بالتفكير الناقد والحر، وليس هناك حوار في البيت أو المدرسة، والجميع يلقي عليه الفرمانات ويلقنه المواعظ ويحشو رأسه بالتحليلات، وما عليه إلا حفظها والعمل بها والمصادقة عليها، ثم مجابهة المستقبل بهذه الأفكار العدمية. ثم، كالعادة يتحلّق أفراد الأسرة حول التلفزيون ليحتفلوا بآخر العمليات الإرهابية، لكنهم يفاجأون بأن ابنهم هو "البطل" هذه المرة. فتفقد الأسرة ابناً لها، وتخسر سمعتها، ويتحمل أفرادها تبعة عمله، وتتلطخ سمعة بلاده.