عبرت صورة رجلين متقدمين في السن أفق خيالي في الآونة الأخيرة. الرجلان ينتميان إلى فترة الحرب العالمية الثانية.أحدهما هو "تسوتومو ياماجوتشي" الذي سمعت عنه بعد أن توفي، فقد كان واحدا من ضمن القلائل الذين نجوا من الموت بعد القصف الذري لليابان. كان الرجل في رحلة عمل إلى هيروشيما في نفس اليوم الذي ألقت طائرة أميركية قنبلة ذرية عليها مما أصابه بعمى مؤقت، وحروق شديدة. وعندما ذهب إلى مدينته الأصلية نجازاكي لمعالجة حروقه تعرضت المدينة للقصف بالقنبلة الذرية. "ياماجوتشي" مات مؤخرا عن عمر يناهز الثالثة والتسعين، وهو عمر متقدم للغاية بالنسبة لشخص عاني طوال حياته تقريبا من ضعف الصحة بسبب الآثار التي خلفها ضرب هيروشيما ونجازاكي عليه. ونظرا لأنه كان "ناجيا" بكل ما تحمله هذه الكلمة معنى، فإن "ياماجوتشي" أخذ على عاتقة مهمة الاحتجاج على استخدام الأسلحة النووية، عندما قام بزيارة إلى الأمم المتحدة عام 2006. وفي الخريف الماضي كتب "ياماجوتشي" رسالة إلى أوباما يقول فيها:"لقد تأثرت أيما تأثر بالخطاب الذي ألقيته في براج، وإنني أتعهد بتكريس ما تبقى من عمري للدعوة إلى ضرورة تخلي عالمنا عن استخدام القنابل الذرية"، وخلال أسابيعه الأخيرة في الحياة تقابل "ياماجوتشي" مع "جيمس كاميرون" مخرج فيلم" أفاتار" عندما سمع أنه ينظر في إمكانية إخراج فيلم عن الحرب النووية. في اليوم نفسه الذي نشر فيه خبر وفاة "ياماجوتشي" وصلني خطاب آخر مكتوب بقلم مهتز لرجل تحمل الكثير خلال حياته التي استغرقت 85 عاما. هذا الرجل هو أيضا محارب سابق، ومنتصر في نفس الحرب التي أحالت مدينة ياماجوتشي إلى ركام. كان الرجلان شخصين عاديين، وجدا نفسيهما عالقين في أحداث دولية ليس لهما سيطرة عليها. وقد عاش الرجلان في قارتين مختلفتين يفصل بينهما محيط، ومارسا مهنا مختلفة، وكونا عائلتين مختلفتين بالطبع وتوصلا إلى استنتاجات جد مختلفة عما حدث. وكاتب هذه الرسالة إليّ وهو أميركي يعيش في كونيكتيكت، موقن تماما مثله في ذلك مثل "ياماجوتشي" بأن هذا العالم معرض لخطر الإبادة النووية ولكن من الممكن مع ذلك إنقاذه من هذا الخطر. وهو يتنبأ بشكل ساخر أنه عندما تبدأ إحدى الدول في إطلاق أسلحتها النووية، فإن الرئيس أوباما سيتصل برئىسها راجيا إياه إيقاف الضرب. ونظرا لأنه ديمقراطي طوال عمره فإنه شعر بالغضب بسبب الخضوع والامتثال الذي أبداهما أوباما أمام الأسرة المالكة اليابانية. قال"لقد أمضيت 4 سنوات في الخدمة في اليابان، كما أمضت زوجتي ثلاث سنوات في الخدمة في الفيلق النسائي بالجيش wac، وعندما فعل أوباما ما فعله في اليابان، فإننا وجميع من خدموا في منطقة الباسيفيكي شعروا بالإهانة. البعض قد لا يلقون بالاً لما يقوله صديقي بالمراسلة، ولكنني لم أفعل ذلك لأن الرجل كان لديه ما يقوله لأنه خاض حربا ـ في حين إنني لم أخض حربا على أبدا. في الحقيقة أنني قد شعرت بالحيرة البالغة بسبب هذا الاختلاف البين في منظور وآراء رجلين خاضا غمار الحرب العالمية الثانية. فكلاهما عانى من الصراع وويلاته، غير أن أحدهما تذوق طعم النصر في حين تجرع الثاني غصص الهزيمة، وأحدهما وجد سببا يدعوه للأمل وبالتالي للعمل من أجل تغيير العقول والقلوب للأفضل، في حين لم يجد الآخر نفس هذا السبب بل وجد أن كل ما حارب من أجله على وشك الضياع. ونظرا لأنني أنحدر من صلب أبوين عاشا ويلات الكساد العظيم، فإنني نشأت وأنا أسمع قصصا لا حصر لها عن الكيفية التي تؤدي بها الأزمات والصعاب إلى تقوية البعض، وإلى كسر البعض الآخر. لن أقارن زماننا بزمانهم.. ولكن ما يجب عليّ قوله إن العالم لا يزال مكانا خطرا وأن بلادنا لا تزال منكشفة أمام نكسات اقتصادية خطيرة. وما يقلقني هو الكيفية التي سنستجيب بها للتحديات التي ستواجهنا مستقبلا: هل سنستجيب لها بالخوف واليأس، أم بالاعتراف الواعي بأن هناك عملًا شاقاً ينتظرنا، وأن لدينا العزيمة والتصميم على إنجازه. ------- ماري سانشيز كاتبة ومحللة سياسية أميركية ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي إنترناشيونال