عُقد في ديسمبر الماضي مؤتمر كوبنهاجن العالمي للبيئة بغرض التوصل إلى اتفاقية عالمية تحل بديلاً عن اتفاقية كيوتو التي ستنتهي صلاحيتها عام 2010. ورغم التوصل إلى نوع من الاتفاق المبدئي حول الموضوع في اللحظات الأخيرة قبل انتهاء المؤتمر، فإن اتفاقاً صلباً لم يتم التوصل إليه، وبقيت مسألة سلامة الكرة الأرضية والبيئة عرضة لأخطار كامنة، أبعادها السلبية على البشرية ليست حميدة، وستبقى مهددة إن لم تتضافر الجهود العالمية المشتركة لحلها. والصعوبات التي واجهها المؤتمر لم تأت من دول العالم النامي التي يبقى معظمها لا حول له ولا قوة على هذا الصعيد لأسباب أهمها، أن حركة التنمية فيها محدودة الجوانب ولا تتسبب في تلوث الأرض والبيئة من جانب. ومن جانب آخر هي غير قادرة على تمويل برامج إزالة التلوث إن وجد بإمكانياتها الذاتية لأسباب اقتصادية. الأجندة البيئية في هذه المرحلة آخذة في التحول، وتعتبر أكثر المشاكل البيئية الملحة عالمية الطابع، والدول الصناعية الكبرى هي المتسببة فيها منذ البداية ولا زالت تزيد في تفاقمها، وأهم المشكلات التي يواجهها عالم اليوم تتعلق بارتفاع درجة حرارة الأرض وثقب الأوزون وتلوث المحيطات والبحار والأنهار وانقراض العديد من الكائنات الحية، بالإضافة إلى التغيرات البيئية المدمرة التي تقع فعلاً الآن أو من المتنبأ وقوعها مستقبلاً، كذوبان جليد القطبين الشمالي والجنوبي وتزايد ظاهرة الغبار والأتربة الدقيقة في الخليج العربي وبعض دول الإقليم العربي- الخليجي. ما نعتقده، أن سلامة الكرة الأرضية والمحافظة على بيئتها الطبيعية وما تحتويه من موارد طبيعية، مسؤولية مشتركة تخص كافة دول العالم من فقيرها إلى غنيها، فرؤوس الأموال هذه تتعلق بالكائنات الحية كافة، بما في ذلك الإنسان ذاته وبالمحيطات والأنهار ومصايد الأسماك والغابات وقطعان الماشية، إلى غير ذلك من أصول تتخطى الأطر الإقليمية للدول الوطنية وحدودها الإقليمية، كل على حدة. وما يحزن في هذا السياق، هو أن بعض الأمم الأكثر غنى تعتقد بأن استمرار وفرة ما لديها من موارد طبيعية مضمون على مدى المستقبل، فنراهم في هذا السياق يهدرون الطاقة بكافة أنواعها، ويتركون الأراضي الخصبة التي يستغلونها لمصيرها إلى أن تصبح أراضي غير منتجة، ويقومون باستبدالها بأراض أخرى جديدة، ويساهمون في تلويث موارد المياه سواء الآتية من الأنهار أو من غيرها، ويسهمون من خلال صناعاتهم ومخلفاتهم في تلوث الأرض والهواء والمحيطات. وبالطبع فإن جميع ذلك يتم تحت مسميات التنمية الاقتصادية. وحتى نكون منصفين، فإن بعض الدول التي تعلمت من خلال تجاربها المريرة مع إتلاف البيئة، اضطرت إلى وضع تنظيماتها وتشريعاتها وقوانينها وإرساء ثقافتها البيئية لكي تحافظ على البيئة وتحقق في نفس الوقت تنميتها المنشودة بطرق مسيطر عليها. لكن تلك الخطوات تتم بشكل منفرد، بمعنى أن كل دولة معينة تتصرف بذاتها، ومن خط سير تدهور البيئة العالمية المتسارع يتضح بأن تلك الدول لم تصبح قادرة بعد على حل جميع المشاكل البيئية المحدقة بها وهي تتصرف منفردة. وبالإضافة إلى ذلك فإن العديد من الأقطار لا زالت تتصارع مع الأعباء الجسيمة لعوامل الفقر والجفاف والحروب المدمرة، وتجد نفسها في وضع غير قادرة فيه على المساعدة في الجهود الدولية الهادفة إلى المحافظة على البيئة العالمية بجهودها الذاتية. وإذا كانت الأوضاع بهذا الشكل، فلابد لنا من طرح تساؤل مهم هو: كيف يمكننا كبشر مجتمعين، أن نحقق المستوى المطلوب من التعاون العالمي الذي نستطيع من خلاله التعامل الحكيم مع هذه المخاطر والتهديدات البيئية؟ ما يدعو إلى طرح هذا التساؤل هو أن البشرية لا توجد لديها الكثير من الآليات التي تستطيع من خلالها تحقيق ذلك، ربما باستثناء الأمم المتحدة، وعدد قليل من المنظومات ذات الصبغة الدولية، التي لم تحقق إلى الآن نجاحات يعتد بها على هذا الصعيد.