كان من المقرر أن تقوم وزيرة خارجية إسرائيل السابقة بزيارة إلى لندن في 13 ديسمبر الماضي. ولو أنها وصلت إلى العاصمة البريطانية لكانت اعتُقلت وأُحيلت إلى المحكمة بتهمة المشاركة في ارتكاب جريمة ضد الإنسانية. فقد أصدرت النيابة العامة البريطانية مذكرة توقيف بحقها على خلفية دورها في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. ولم يعد مهماً الآن السؤال: مَن سرّب إلى إسرائيل وجود مذكرة الاعتقال؟ ولكن الأهم هو السؤال: مَن كان وراء إصدار المذكرة من الأساس؟ لم تتحرك النيابة العامة البريطانية تلقائياً، فهي ليست معنية مباشرة ولا هي مكلّفة بذلك. هناك محامٍ يدعى دانيال ماشوفر هو الذي أعدّ ملف الاتهامات بحق ليفني ورفعه إلى النيابة العامة مطالباً باعتقالها ومحاكمتها. وللعلم فهذا المحامي يهودي ومن مواليد إسرائيل أيضاً، إلا أنه يقيم في لندن. وهو عضو مؤسس لجمعية أهلية تضمّ عدداً من المحامين أخذت على عاتقها مهمة الدفاع عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. وقد جمع ماشوفر شخصياً وبمساعدة عدد من زملائه أعضاء الجمعية وثائق تدين شخصيات سياسية وعسكرية إسرائيلية على خلفية مشاركتها في الحرب على غزة في عام 2008. وليست وزيرة خارجية إسرائيل السابقة وحدها التي استطاعت أن تنجو من الاعتقال في اللحظة الأخيرة. ففي عام 2005 وصل إلى مطار لندن الجنرال الإسرائيلي دورون ألموغ، ولم يكن يعرف أن المحامي اليهودي ماشوفر كان قد أعدّ للنيابة العامة ملفاً يدينه بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين، وأن في انتظاره مذكرة توقيف، فاضطر إلى البقاء في الطائرة الإسرائيلية التي أقلّته من تل أبيب، وعاد على متنها إلى إسرائيل من دون أن تطأ قدماه أرض المطار حتى لا يُلقى عليه القبض. وقبل ذلك اضطر الجنرال شاؤول موفاز وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، كما اضطر الجنرال موشى يعالون رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، إلى إلغاء زيارتيهما إلى بريطانيا بعد أن عرفا بوجود مذكرتي توقيف بحق كل منهما بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وكان التقرير الذي أعدّه القاضي اليهودي ريتشارد جولدستون بتكليف من الأمم المتحدة حول الحرب الإسرائيلية على غزة، والذي نشر في شهر سبتمبر الماضي، قد تضمن اتهامات صريحة ومباشرة لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وقد تعرّض جولدستون ولا يزال يتعرّض لحملات تشهير في الإعلام الإسرائيلي، وفي الإعلام الصهيوني الدولي، كما يتعرض اليوم المحامي اليهودي دانيال ماشوفر لحملات مماثلة. وفي الواقع فإن الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة وخاصة في غزة والقدس، والجرائم التي ارتكبتها في لبنان حتى بعد انسحابها منه في عام 2000 واقترافها لسلسلة اعتداءات واسعة النطاق عليه كان آخرها الحرب التدميرية في عام 2006، أثارت ردود فعل يهودية رافضة ومستهجنة. فقد تأسست في واشنطن منظمة يهودية جديدة تحت اسم "جي ستريت" (الشارع ج) تعارض هذه السياسة الإسرائيلية على قاعدة أن هذه المعارضة تخدم مصالح يهود العالم، كما تنقذ إسرائيل من نفسها. وقد اصطدمت هذه المنظمة مع منظمة "إيباك" التي تضم مجموعة كبيرة من الجمعيات اليهودية الأميركية، والتي تشكل أقوى قوة ضغط في عملية اتخاذ القرار السياسي الأميركي. وترى "إيباك" أن من واجب يهود الولايات المتحدة تأييد ودعم السياسة الإسرائيلية دون نقاش أو مراجعة، وذلك بحجة أن إسرائيل هي واحة يهود العالم، وأن المسؤولين الإسرائيليين يعرفون ماذا يفعلون من أجل أن تبقى هذه الواحة آمنة مطمئنة. غير أن منظمة "جي ستريت" تنطلق في مواقفها من أن السلوك الإسرائيلي السياسي والعسكري يسيء إلى اليهودية كعقيدة، كما يسيء إلى سمعة اليهود ويشوّه صورة إسرائيل ذاتها أمام العالم كله. وقد نشر الكاتب اليهودي الأميركي الشهير روجر كوهن دراسة قال فيها: "إن يهود الدياسبورا يهربون اليوم من الجدران السابقة إلى جدران جديدة، وإن بسيكولوجية إبادة لم تختفِ، ولكنها اتخذت شكلاً آخر"، مشيراً في ذلك إلى ما يعانيه الفلسطينيون من اضطهاد وتنكيل يعيدان إلى الأذهان ما عاناه اليهود في بعض الدول الأوروبية. كذلك أعلن المؤرخ اليهودي "إيلان بيب" أنه غادر إسرائيل نهائياً منذ عام 2007 لأنه -كما قال- يعتبر الصهيونية غير شرعية، ويصفها بأنها حركة عنصرية. وذهب "إيلان" إلى أكثر من ذلك عندما دعا إلى عودة جميع اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. وهناك مؤرخ إسرائيلي آخر هو "آفي شلايم" الذي نشر مؤخراً كتاباً عنوانه "إسرائيل وفلسطين"، انتقد فيه إسرائيل بصورة مباشرة وحادة وقال: "مع الهجوم على غزة أصبحت إسرائيل دولة مارقة، منتهكة للقانون الدولي، ومالكة لأسلحة دمار شامل، وممارسة للإرهاب بمعنى استخدام العنف ضد المدنيين ومن أجل أهداف سياسية". ولكن على رغم ذلك فإن اللوبي الصهيوني الذي يتعامل مع إسرائيل على أنها "فوق الخطأ"، وعلى أنها "أسمى من أن تُحاسَب" أو حتى أن تُناقَش، لا يزال قادراً على تخويف دول كبرى مثل بريطانيا والولايات المتحدة. فتحت ضغط هذا اللوبي تعهدت الحكومة البريطانية بإعادة النظر في نظامها القضائي لتحُول في المستقبل دون إصدار مذكرات اعتقال بحق شخصيات إسرائيلية سياسية وعسكرية كما حدث مراراً في السابق. ولكن نظراً لتراجع شعبية إسرائيل لدى الرأي العام البريطاني، قرّرت حكومة غوردون براون تأجيل طرح هذا الموضوع إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية القادمة حتى لا ينعكس عدم رضا البريطانيين على مشروع التعديل تراجعاً في تأييد حزب "العمال" الحاكم. وكانت بلجيكا قد سارعت إلى تعديل نظامها القضائي بعد أن رفعت مجموعة من المحامين الدوليين دعوى على شارون (الذي لا يزال في الكوما فاقداً الوعي منذ عدة سنوات) على خلفية الجريمة الجماعية التي خطط لها وأشرف على تنفيذها في مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982. وحذت إسبانيا حذو بلجيكا أيضاً وذلك بعد أن تقدمت مجموعة أخرى من المحامين بادعاء أمام القضاء لتوقيف جنرالات وعسكريين إسرائيليين شاركوا في الحرب على غزة. واستجابة للضغط الصهيوني القوي أصدرت الدول الأوروبية المختلفة تشريعات تعتبر مجرد التشكيك بجريمة الإبادة -الهولوكوست- أو حتى بعدد ضحاياها جريمة يعاقب عليها القانون. فالصهيونية تقول إن عدد الضحايا هو ستة ملايين. وإذا تجرأ باحث أو كاتب على القول إن العدد هو خمسة ملايين وتسعمائة وتسعة وتسعين ضحية، فمصيره المحاكمة بتهمة التشكيك! أما في الولايات المتحدة فالأمر أكثر سوءاً. فالرئيس أوباما انكفأ تحت ضغط اللوبي الصهيوني وتراجع بصمت سياسي مطبق عن مطالبة إسرائيل بتجميد (وليس بوقف) بناء المزيد من المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. واضطر للخضوع للأمر الواقع الذي تفرضه إسرائيل ببناء المستوطنات وخاصة في مدينة القدس المحتلة. وحتى الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر الذي كان اتهم في كتاباته سياسة الاستيطان الإسرائيلية، كما انتقد الدفاع الأعمى عن هذه السياسة الذي يتولاه اللوبي اليهودي الأميركي، ذهب في تراجعه إلى حدّ طلب الصفح والغفران من إسرائيل على ما وصفه هو نفسه "الخطايا التي ارتكبتها بحق الشعب اليهودي". أما هذه الخطايا فهي انتقاد انتهاك الحقوق الإنسانية للفلسطينيين، وانتهاك إسرائيل للقوانين الدولية ببناء المستوطنات فوق أرض محتلة. وأكثر من ذلك أن الفاتيكان ذاته الذي قرر تكريم البابا الأسبق بيوس الثاني عشر -تمهيداً لإعلانه قديساً من قدّيسي الكنيسة الكاثوليكية، اضطر لتبرير قراره لتجنّب رد الفعل اليهودي المعارض لتكريمه. فاليهود كما هو معروف يتهمون البابا الراحل بالتواطؤ مع النازية، أو على الأقل بعدم القيام بما كان قادراً على القيام به لمساعدة اليهود الذين كانوا يتعرضون للملاحقة على أيدي القوات النازية والفاشية في إيطاليا. وهم يطالبون اليوم بدلاً من تكريمه بإدانته باللاسامية أو على الأقل بالتقصير المتعمد في حماية اليهود. ويبدو أنه في محاولة لاحتواء رد الفعل الصهيوني العالمي، أعلن المتحدث باسم الفاتيكان فريديريكو لومباردي في بيان رسمي أن قرار تكريم البابا بيوس الثاني عشر جاء تقديراً لشهادة الحياة المسيحية التي عاشها "وليس تقديراً للبعد التاريخي لجميع خياراته العملانية "(!). ولكن هذا التوضيح لم يمتص النقمة الصهيونية، ولن يمتصها. فكما أسقط اللوبي اليهودي الأب بيار في فرنسا (وهو أحد الآباء الذين وقفوا حياتهم على خدمة الفقراء والمحتاجين وكان مثالاً للراهب المتنسك الزاهد في الدنيا وما فيها، والمتألم لألم الإنسان الفقير والمحروم) لأنه شكك في صحة بعض الروايات عن "الهولوكوست"، ما زال يصرّ على إدانة البابا الراحل وعلى التشهير به. أليس من المثير للاستغراب أنه في الوقت الذي ترتفع فيه أصوات يهودية منتقدة إسرائيل بشدة، ترتفع أصوات أخرى غير يهودية تطالبها بالصفح والغفران؟!