كان النيجيري "عمر فاروق عبدالمطلب"، المتهم بمحاولة تفجير طائرة كانت متجهة إلى ديترويت يوم عيد الميلاد، سبباً في إعادة اليمن مرة أخرى إلى بؤرة الضوء، باعتبارها أرضاً صالحة لتفريخ الإرهابيين، حيث يعتقد أنه قد تلقى تدريباً لدى فرع "القاعدة" في اليمن، الذي أعلن مسؤوليته عن تدبير الهجوم الفاشل. واليمن ظلت طويلاً موضعاً للاهتمام، ففي الشهر الماضي، وقبل محاولة تفجير طائرة ديترويت، سهلت الولايات المتحدة هجوماً بالصواريخ على معقلين من معاقل "القاعدة" في اليمن. وخلال نهاية الأسبوع الماضي أغلقت سفارتها في العاصمة اليمنية صنعاء على خلفية مخاوف أمنية. غير أن الإرهاب ليس إلا تهديداً واحداً فقط من التهديدات، التي يشكلها الوضع المتدهور في اليمن على مصالح الولايات المتحدة. فخلال السنوات الماضية، كان اليمن يندفع بسرعة نحو كارثة كفيلة بإلحاق أفدح الأضرار بالولايات المتحدة، وباللاعبين الإقليميين على حد سواء. فالتمرد "الحوثي" في شماله، والحركة الانفصالية في جنوبه، وفرع "القاعدة" العائد للنشاط مجدداً داخل حدوده، تمثل جميعها تحديات قصيرة الأمد للحكومة اليمنية. ولا يقف الأمر عند ذلك، فهناك أيضاً مشكلات طويلة الأمد يعاني منها هذا البلد، وهي مشكلات أكثر تعقيداً واستعصاء على الحل. فمن المعروف أن الاقتصاد اليمني يعتمد اعتماداً كبيراً على إنتاج النفط، لكن هذا الوضع مرشح للتغير، حيث يؤكد الخبراء أن ناتج البلاد من النفط الذي تقلص خلال السنوات السبع الماضية، سيصل إلى الصفر بحلول العام 2017.. هذا في الوقت الذي لم تفعل الحكومة فيه سوى القليل للتخطيط لحقبة ما بعد نضوب هذه المادة. علاوة على ذلك، نجد أن نسبة البطالة بين سكان اليمن، وهم الأفقر في الجزيرة العربية، ترتفع لرقم كبير للغاية وهو 35 في المئة. كذلك فإن المتوقع أن يتضاعف عددهم بحلول العام 2035. ومما يفاقم الأمر أن 45 في المئة من سكان اليمن من الفئة التي تقل أعمارها عن 15 عاماً. وهذه المشكلات كلها مرشحة للتفاقم، وإذا أضفنا إليها المشكلات البيئية التي تشمل استهلاك مصادر المياه الجوفية، التي تستهلك اليمن 90 في المئة منها في الأغراض الزراعية، فإننا سندرك أن الأمر برمته ينذر بكارثة. هذا المزيج من العوامل والمشكلات السياسية، والأيديولوجية، والاقتصادية والبيئية، سيجعل اليمن أرضاً خصبة لتجنيد وتدريب الجماعات الإسلاموية المسلحة في المستقبل القريب. ومما يرجح هذا الاستنتاج أن ما يزيد عن 100 يمني كانوا من ضمن المعتقلين في جوانتانامو، وأن مواقع الإنترنت المرتبطة بـ"القاعدة"، تشجع في الوقت الراهن المقاتلين من كافة أنحاء العالم الإسلامي للقدوم لليمن، مقر تنظيم "القاعدة" في الجزيرة العربية، الذي قام بالفعل بتنفيذ هجمات داخل اليمن والسعودية. ودور اليمن كمقر للجماعات الإرهابية العابرة للدول، وذات القدرة على الوصول لأهداف تقع في مختلف أنحاء العالم، يمكن أن يستمر بسهولة. ويشار في هذا الصدد إلى أن أوباما أعلن عن عزمه العمل مع حكومات أفغانستان وباكستان، من أجل إزالة كافة ملاذات الجماعات الإرهابية وعلى رأسها "القاعدة". كل هذا قد يجعل من اليمن مكاناً أكثر جاذبية من غيره للإرهابيين المستقبليين وذلك يلزم الولايات المتحدة بالعمل على إنقاذ اليمن من حافة الهاوية الكارثية التي يتجه إليها من خلال العمل على تعزيز استقراره الداخلي. وهذا الهدف لن يتم إنجازه بسهولة وبسرعة ودون تكلفة باهظة كما أن استخدام القوة لتحقيقه لن يكون كافياً في حد ذاته. وأي استراتيجية فعالة للتعامل مع الوضع الحالي في اليمن، يجب أن تشتمل على مساعدات أمنية، وجهود وساطة، وبرامج تنمية، وانخراط إقليمي، ومقاربة فعالة للتواصل بين كافة الأطراف المعنية، على أن يكون معلوما هنا أن أي قدر من المعونة الخارجية لن يكون كافياً لمعالجة المشكلات اليمنية المزمنة. مع ذلك، وبالنظر إلى مصالحنا الوطنية الملحة في تجنب وجود دولة فاشلة في اليمن، يمكن القول إن الولايات المتحدة لديها من الأسباب المنطقية ما يجب أن يدفعها لتخصيص قدر أكبر من الموارد للجهد الذي تنوي القيام به في اليمن أكثر مما هو مبذول حالياً. خلال الأسبوع الماضي، تعهد أوباما بمضاعفة حجم المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة لليمن، ولكن ما يلزم التنبيه له هو أن تلك المساعدات يجب أن تُنفق بشكل استراتيجي. وهناك عدة مجالات تعتبر الآن مهيأة لتلقي المساعدات الأجنبية منها: التدريب، وتزويد القوات المناوئة للإرهاب بالأسلحة والمعدات والتجهيزات، وتعزيز أمن الحدود، وبناء قدرات حرس السواحل، وتوسيع حجم الاستشارات المقدمة في مجال التصدي للإرهاب، بالإضافة إلى توسيع البرامج التي تركز على توفير الحد الأساسي على الأقل من الحوكمة، ومكافحة الفساد. من ضمن التحديات الرئيسية التي ستواجه الولايات المتحدة، تشجيع الحكومة اليمنية على مواجهة "القاعدة"، وهو شيء لم تبد استعداداً كافياً للقيام به حتى الآن. فالمعارك المتكررة التي خاضها جيشها ضد المتمردين "الحوثيين" في الشمال، استنفذ الكثير من الموارد التي كان يمكن توجيهها بدلا من ذلك ضد عناصر "القاعدة". من هنا فقد يكون من المجدي القيام باستكشاف إمكانيات تسوية ذلك النزاع من خلال الوساطة. كما يجب على الولايات المتحدة في الوقت أن تبلغ اليمن على نحو غير علني أن درجة الدعم السياسي المقدم لحكومتها سيتوقف بشكل مباشر على اتخاذ إجراءات بشأن سلسلة من الموضوعات والمسائل التي تثير قلق واشنطن. إن هدف السياسة الخارجية الأميركية تجاه اليمن يجب أن يتمثل في العمل من أجل خروجه من أزماته والبروز كدولة مستقرة وقادرة على تأدية وظيفتها، ولا تسمح بتوفير ملاذات لجماعات الإرهاب العابرة للدول. والولايات المتحدة لن تتمكن من تحقيق هذا الهدف بمفردها، ولكنها قادرة بالطبع - على الرغم من ذلك -على القيام بمحاولة لتخفيف حدة الاحتمالات الأكثر سوءاً التي سيواجهها اليمن في المستقبل. -------- ريتشارد فونتي وأندرو إكسوم زميلا مركز "الأمن الأميركي الجديد" -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"