رغم الاهتمام الذي توليه الدولة وقيادتها الرشيدة بالعمل على تحقيق الاستقرار الأسري، على اعتبار أن الأسرة هي اللبنة الأساسية لاستقرار المجتمع وتطوره ونهضته، فإن هذه الجهود تصطدم بجملة من التحديات الخطرة التي تؤثر في درجة تماسك الأسرة والمجتمع، وفي مقدمتها ظاهرة الطلاق، التي أصبحت من أخطر مهدّدات التماسك الاجتماعي. الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن متوسط نسبة الطلاق في الدولة يصل إلى 34 في المئة، وأن الإمارات تأتي في المرتبة الثالثة في عدد حالات الطلاق بعد السعودية التي تبلغ فيها النسبة 48 في المئة، ثم الكويت التي تصل فيها النسبة 36 في المئة، وكشفت دراسة حديثة، أعدّتها وزارة الشؤون الاجتماعية، عن أن هناك 15 سبباً للطلاق في الدولة، وأن الرجل دائماً هو الذي يقدم على الطلاق إزاء مبررات، أهمها الرغبة في الزواج من امرأة أخرى أو عدم إنجاب الزوجة، وأسباب أخرى تتصل بالخلافات المادية. كما تشير الإحصاءات أيضاً إلى أن النسبة الكبرى من الطلاق تقع في الشريحة العمرية من 20 إلى 30 عاماً، وأن نسبة الطلاق في السنوات الأولى للزواج تبلغ 37 في المئة. وهذا يكشف بوضوح عن أن الشباب الذين يمثّلون عماد المجتمع هم الأكثر عرضة لهذه الظاهرة، وهذا يرجع إلى نقص خبراتهم وعدم إدراكهم بعدُ مسؤولية الزواج وأهمية تكوين الأسرة. تنامي ظاهرة الطلاق وانتشارها بين الشباب يشكّلان أخطر المهدّدات التي تواجه مجتمعنا، ليس لأنها تهدم أساس الأسرة، بل لآثارها الاقتصادية والأمنية في المجتمع بشكل عام، فالطلاق يشكّل أعباء ضخمة على ميزانية الدولة سنوياً، يتمثل بعضها في نفقة المطلقات، والمساعدات التي يتم تقديمها للأبناء لمواجهة أعباء الحياة. ووفق تقديرات الجهات المعنيّة فإن الطلاق يكلّف ميزانية الدولة نحو 800 مليون درهم سنوياً، كما أن للطلاق تكلفته الأمنية الخطرة أيضاً، لما يترتب عليه من ظواهر تهدّد الأمن والاستقرار المجتمعي، كانحراف النشء، وتزايد أعداد الأحداث، واتجاه بعضهم إلى تعاطي المخدرات وممارسة العنف، وهي ظواهر تشكّل جميعها معاول لهدم الأسرة، وتهديد التماسك الاجتماعي. وقد أكدت الدراسات الاجتماعية أنه خلال السنوات الست التي تلي حدوث الطلاق يعاني الأبناء تغيرات سلبية أكثر من الأطفال الآخرين، بالإضافة إلى مشكلات سلوكية متزايدة تؤثّر في بناء شخصيتهم في المستقبل. وفي إطار محاولة التصدي لتلك الظاهرة، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية في شهر نوفمبر الماضي أنها ستبدأ بدراسةٍ جديةٍ ومستفيضة حول ظاهرةِ ارتفاع معدلات الطلاق في الدولة. وهذه ستكون أول دراسة اجتماعية ميدانية رسمية عن هذه الظاهرة على مستوى الدولة، وهذا بلا شك سيسهم في حصر الأسباب التي تقف وراء الظاهرة والآليات العلمية الممكنة للتصدّي لها. وإذا كانت ظاهرة الطلاق مشكلة اجتماعية لها تداعياتها الاقتصادية والأمنية، فإن الدراسة الجادّة لهذه الظاهرة ينبغي أن تأخذ في الاعتبار هذه الأبعاد مجتمعة، حتى يمكن التوصل إلى تصور شامل عن الظاهرة، وتحديد أسبابها بدقة، ومن ثم وضع السياسات الكفيلة بعلاجها. ويتطلب الأمر كذلك تعزيز أوجه التعاون بين الجهات المختلفة المعنيّة بالأسرة، وقيام وسائل الإعلام المختلفة بدور توعويّ مهم في التحذير من مخاطر هذه الظاهرة، من خلال التوعية بالآثار السلبية للطلاق في المجتمع.